
خذ نصف عمرى و أعطنى لحظة صدق ...
من الإبداع , سأكتب رائعة عن الأسى و الألم . أقصوصة من أروع ما كتب عن خفايا النفس البشرية فى لحظات هبوطها و صعودها .
مواقف قصيرة عميقة , تظل حية نابضة ... تلك هى لحظات الميلاد و الخلق و الإبداع ... ليس الهدف هو الكتابة لمجرد الكتابة , إنها الحزن الدفين فى الأعماق .
الكتابة مسؤولية , و الكلمة أمانة قبل أن تكون فكرة نبتدعها من بنات أفكارنا , نصور الكون و الناس و كل ما يحيط بنا من أشياء مهما تناهت فى الصغر , و قبل أن تنزلق الفكرة من العقل إلى القلب ثم إلى العاطفة و أخيرا إلى سن القلم .... علينا أن نسأل أنفسنا : لماذا نكتب ؟! لماذا نتحمل الهموم و المعاناة و ألام البشر , عندما نعبَُر , من خلال كتابتنا , عن المواقف الإنسانية ؟!
و قبل الأجوبة , نقرأ رائعة " تشيكوف " عن " الألم " .
تتحدث عن فلاح عجوز . إنسان . حمل زوجته المريضة فى المقعد الخلفى من العربة التى يجرها حصان هزيل , إلى المدينة البعيدة لعلاجها .
و فى الطريق الطويل , بدأ الرجل يتحدث , يفضفض . كأنما يناجى نفسه , و لكنه فى الوقت نفسه يواسى زوجته التى عاشت معه أربعين عاماً فى شقاء و معاناة و بؤس . تكد و تكدح , تساعده فى الحقل , و تتحمل وحدها أعباء البيت . الأن أحس أنه كان قاسياً معها طوال السنوات الماضية , و أن عليه أن يعاملها بلطف و لين , و أن يسمعها الكلمات الطيبة , و قال لها : (( إنه ظلمها , وإن الحياة أيضاً ظلمتها , لأنه لم يجد الوقت , فى حياته اليومية ليقول لها كلمة طيبة حلوة عذبة , أو يقدم لها ابتسامة صافية رقيقة كالماء , أو يعطيها لحظة حنان !!
ظل الرجل يتحدث , بحزن , و أسى , طوال الطريق , و الكلمات تحفر فى النفس البشرية ... مجرى , كما يحفر الماء المتساقط على الصخر ... خطوطاً غائرة ليعوضها . بالكلمات . عما أفقدته خلال الأربعين عاماً الماضية , من الحب و الحنان و الأمان و دفء الحياة الزوجية . و أخذ يقدم لها الوعود بأنه سيحقق لها كل ما تريده و تتمناه , فى بقية عمرها .
عندما وصل إلى المدينة , نزل من المقعد الأمامى ليحملها من المقعد الخلفى , بين ذراعية للمرة الأولى فى حياته إلى الطبيب .... وجدها قد فارقت الحياة , و أصبحت جثة هامدة منذ وقت طويل , ماتت فى أثناء الطريق , ماتت قبل أن تسمع حديثه العذب !!
إلى هنا تتوقف قصة الأسى و الألم , التى كتبها تشيكوف ليتركنا , نحن , مثل الفلاح العجوز الذى كان يناجى نفسه , ولكن ... بعد فوات الأوان !! فالكتابة و الكلمات لم تعد مجدية الأن , فقد فقدت مغزاها !! .
و بعد , هل يتوقف القلم للإجابة عن الألم , و تنتهى الكتابة ؟!
الأقصوصة الصغيرة قالت و أجابت أكثر مما سنكتب , و لأن الإنسان و الكاتب و المبدع عليه أن يصمت طويلاً حتى ينتهى إثر هذه الشحنة القوية من الذهن و تمحى من الذاكرة , ثم يبدأ فى الكتابة من جديد .**
