
جلست على التراب , فى ظل حائط أمام مدخل المسجد , تستر وجهها بقطعة قماش باهتة متأكلة الأطراف , تضم إلى صدرها طفلة صغيرة شاحبة , بدا من عينيها أنها لم تنم و لم تأكل منذ أيام .
حضرت مبكرة فوقت صلاة الجمعة لم يحن بعد , هنالك أكثر من ساعتين ... و لولا بعض العابرين من أن إلى اَخر لقفر الشارع إلا منها .
البنت الصغيرة ملت المكوث فى حضن أمها ... فاللعب فى ساحة المسجد أمر مغر ... قفزت تهرول , لم تمانع الأم , تركتها تلهو ببراءة حتى عثرت فى أحد الجوانب على نخلة دانية القطوف , فحملت بعض ثمارها و ركضت نحو أمها لتشاركها وجبتها الشهية .
نظرت الأم بإشفاق " مسكينة أنت , ما ذنبك لتتحملى معى ألام الفقر ؟ لقد تيتمت باكراً جداً , حتى إنك لم تعرفى معنى الأبوة " .
تذكرت كيف كانت تعيش عيشة رغيدة بصحبة زوجها , لقد كانت سعيدة جداً , قبل أن يأتى الأشرار ليطردوها من بيتها و أرضها , حاول زوجها أن يمنعهم ... فلم يكلفهم إلا رصاصة واحدة , سقط على إثرها مضرجاً بالدماء .
و خرجت الأم هائمة على وجهها تجر ابنتها جراً ... و انقطع أى اتصال بينها و بين إخوتها ... كانت متأكدة من موت أبيها و أمها على يد الأشرار هؤلاء .
حملها باص صغير و نقلها و ابنتها إلى أرض بعيدة .. كرهت نفسها , و كرهت الناس و الحياة ... حتى إنهاكرهت ابنتها , و تمنت لو ظلت هناك , جثة هامدة إلى جانب تربة زوجها , لأن ذلك أفضل مما هي فيه ألف مرة .
بالأمس كانت تعيش ملكة فى مملكتها , و اليوم تمد يدها إلى الناس , يا سبحان الله ... كيف أنقلب بها الحال ؟!! .
هجرت أملاكها , و وجدت نفسها فى مكان بعيد , داخل مزرعة لم تكن تقوى على السير ... حملها رجل ... أدخلها بيته , و بعد أن استعادت وعيها حاول نهمش لحمها المشوى تحت الشمس , بلا رأفة ولارحمة ... ضربته بحشبة امتدت إليها يدها الواهنة , ضربته فى عينه , فانقلب على ظهره من الألم ... حملت ابنتها و فرت بمصيبتها " لقد كان جار أسرتها " .
جف حليبها و لم تيأس , بحثت فى القمامة عن بقايا الطعام , أصبح وجهها كومة عظام , يحمل عينين ناتئتين بعدما كانت تتدفق بالحياة .
اقترب موعد الصلاة , لم يأت أحد بعد , عزت نفسها بثمار النخلة , اقتربت من باب المسجد , فشاهدت ورقة معلقة فى ركن جانبى : " المسجد مغلق للترميم " ضحكت كما لو لم تضحك من قبل : " حتى المسجد أغلق لما جئت إليه " .
قامت تسير ببطء شديد ... مرت سيارة مسرعة , خافت الطفلة من صوتها المرعب ... أوقف السائق سيارته , فأحدثت الإطارات زعيقاً متواصلاً فوق الإسفلت , تلفت هنا و هناك ... ثم عاد بهدوء , و قال : " إلى أين يا حلوة " ؟ رمقته الأم بأسى و بصقت بوجهه , ثم مضت فى طريقها , اغضبت الأم الشاب , عاد و تلفت هنا و هناك ... و عندما تأكد أن المكان خال تماماً .... انقض بسيارته على المرأة و طفلتها و تركهما فوق الرصيف يودعان الحياة **  |