ها هو ذا رمضان يمضي
وقد شهدت لياليه أنين المذنبين، وقصص التائبين، وعبرات الخاشعين، وأخبار المنقطعين.
وشهدت أسحاره استغفار المستغفرين، وشهد نهاره صوم الصائمين وتلاوة القارئين، وكرم المنفقين.إنهم يرجون عفو الله ، علموا أنه عفو كريم يحب العفو فسألوه أن يعفو عنهم.
يا شهر رمضان ترفق ، دموع المحبين تُدفق ، قلوبهم من ألم الفراق تشقق ، عسى وقفة للوداع أن تطفئ من نار الشوق ما أحرق ، عسى ساعة توبة وإقلاع أن ترفو من الصيام ما تخرق ، عسى منقطع عن ركب المقبولين أن يلحق ، عسى أسير الأوزار أن يطلق ، عسى من استوجب النار أن يعتق، عسى رحمة المولى لها العاصي يوفق.
لما عرف العارفون جلاله خضعوا ، و لما سمع المذنبون بعفوه طمعوا، وما ثمَّ إلا عفو الله أو النار.
لولا طمع المذنبين في العفو لاحترقت قلوبهم باليأس من الرحمة ؛ ولكن إذا ذكرت عفو الله استروحت إلى برد عفوه .
كان أحد الصالحين يدعو قائلاً:
( جرمي عظيم ، وعفوك كبير، فاجمع بين جرمي وعفوك يا كريم)
هذا دعاء الصالحين ، وهكذا قضوا رمضان ، فلهم الحق أن يبكوا في ختامه ؛ لما له من لذة في قلوبهم ، ومع ذلك فهم وجلون من ربهم ، خائفون من الرد وعدم القبول ، يعلمون أن المعوَّل عليه القبول لا الإجتهاد ، وأن الإعتبار بصلاح القلوب لا بعمل الأبدان.
كم من قائم محروم ! ومن نائم مرحوم ! هذا نام وقلبه ذاكر، وذاك قام وقلبه فاجر؛
لكن العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات ، والاجتهاد في الصالحات ، مع سؤال الله القبول ، والإشتغال بما يصلح القلوب ، وهذا دأب الصالحين .
يا من ضاعت منهم ليال من رمضان !! وفاتتهم الفرصة ؛ فأضاعوه في اللهو والباطل ؟
توبوا إلى ربكم فما يزال ربكم يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
ما زال باب التوبة مفتوحاً ، فإلى ربكم أنيبوا.
فإن كانت الرحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأس منها ، وإن تكن المغفرة مكتوبة للمتقين فالظالم لنفسه غير محجوب عنها، وقد قال الله سبحانه : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر:35 ].
يا من ضاعت منه ليال من رمضان
لا يضع منك عمرك ، اختمه بتوبة عسى أن يختم أجلك بالحسنى.
يا أيها العاصي - وكلنا ذلك - لا تقنط من رحمة الله لسوء عملك ؛ فكم يُعتقُ من النار في ختام الشهر من أمثالك.
أصدق مع الله يصدقك، وأحسن الظن بربك ، وتب إليه ؛ فإنه لا يهلك على الله إلا هالك.
وهاهي العشر الأواخر أقبلت
" مَنْ قَام لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "
.. لنجتهد بالقيام فيها .. فإنما هي أيام قلائل .. ثم تنقضي وتزول .. ويبقى الفوز بأعظم الأجور ..
" العتق من النيران , وغفران ما تقدم من الذنوب "
ولنردد في نهار العشر ولياليه بقولنا : اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عنا.
منقول . اللهم رحمتك بعبادك يا أرحم الراحمين .