بسم الله الرحمن الرحيم
طفل سقط عليه غطاء إسمنتي فهشّم نصف رأسه !
شهدت مدينة العلا يوم الأربعاء الماضي حادثة أليمة تمثّلت في استهداف طفل صغير لم يتجاوز عمره الأربع سنوات بعد أن سقط عليه غطاء إسمنتي مستطيل الشكل وثقيل فهشّم الشطر الخلفي من رأسه فبقي يتخبّط كالعصفور يصارع حرارة الموت التي لم تدم إلا دقائق معدودة.. انطلقت بعدها موجة من الصّراخ والعويل والبكاء.
انتقلت الى منزل الأسرة الملتاعة في صغيرها والكائن بأحد الأنهج الغربية المحاذية لمقبرة المدينة فوجدنا حشودا من البشر رجالا ونساء وأطفالا متجمهرين بالقرب من مصيدة الموت التي هي عبارة عن بالوعة قديمة متواجدة بالرصيف المقابل لبيت الضحية قد وقع الاستغناء عنها بعد أن وقع تمديد قنوات التطهير بكامل الحي وما أن فُسح لنا المجال واقتربنا أكثر عثرنا في محيط المكان على أثر دماء وبقايا شعر من رأس الطفل الضحية.
تفاصيل الحادثة
وحسب ما بلغ الى مسامعنا من أقوال الحاضرين أن أحد الأجوار كان بصدد القيام ببعض الاصلاحات والترميمات بالواجهة الأمامية من منزله فأراد أن يرمي بقايا الأحجار والأتربة داخل تلك البالوعة فرفع أحد أغطيتها الاسمنتية الثقيلة وأسندها مباشرة في شكل عمودي على الجدار في وضعية غير سليمة.
وشاءت الصدف في ذ لك اليوم بالذات وعلى الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا أن يخرج الطفل «ريّان» ليلعب مع أترابه أمام منزلهم بالقرب من حفرة الخطر أو مصيدة الموت وبعفوية الصغار وطأت قدماه الغطاء الاسمنتي الثاني الذي يغطّي نصف البالوعة فتحرّك الغطاء المنتصب وهوى على الطفل ليرحل بشطر رأسه الخلفي فتركه جثة هامدة بقيت بعدها أعضاء الجسد الطريّ والمرتخي يرتجف وسط بركة من الدّماء وبقايا من شظايا عظام الرأس التي تناثرت حول المكان.. ورغم أن رجال الأمن سجّلوا حضورهم بسرعة على أمل أن ينقذوا الضحيّة لكن الأمر قد حُسم وفارق الحياة بعد أن سكنت حركته وخمدت بقية أنفاسه.. ومن المستشفى وقع تحويله الى أقسام الطبّ الشرعي بسوسة لتحديد الأضرار وأسباب الوفاة.
في بيت الفقيد
دخلنا منزل الأسرة المنكوبة في ابنها الصغير وقدمنا واجب التعزية وانفردنا في ناحية بالأم «عفاف» كانت ملتفّة بلباس أسود والدموع تنهمر بغزارة من مقلتيها وهي لا تزال في ذهول تحت تأثير الصدمة من هول الفاجعة من خلال ملامحها وخطواتها البطيئة.
ظروف مريبة!
بعد لحظات من السكون خاطبتنا ا لأم عفاف بنبرات صوتها الخافت المتقطّع قائلة: «الى حدّ هذه الساعة لا أصدّق بأن إبني الوحيد قد فارق الحياة دون عودة بعد أن كان يملأ البيت بهجة ونشاطا ويؤنس وحدتي ليلا ونهارا.. لقد كنت آخر من علم بالحادثة ولم أقف بعد على كامل التفاصيل.. لقد اختلفت الحكايات والتأويلات من حولي الى درجة تشوّش معها فكري.. وإني أدرك بحدسي وإحساس الأمومة أن الحادثة يكتنفها الغموض هناك من يقول أن سيارة كانت رابضة بالقرب من مكان الواقعة ساعة حدوثها ثم اختفت بعد ذلك دون أن يتجرّأ سائقها على نقل الضحية الى المستشفى ثم ان هناك جملة من الأسئلة تطرح نفسها ولم أجد لها جوابا! من رفع الغطاء الإسمنتي من مكانه بعد سقوطه؟.. ولماذا لم يسقط إبني في الحفرة بعد الإصابة؟ بل انهم رفعوا جثته من فوق الرصيف بالقرب من عجلات السيّارة.. ومع هذا فإن إيماني باللّه قويّ ولا أتّهم شخصا معينا.. بل إن ثقتي كبيرة في رجال الأمن عسى أن يُعيدوا النّظر في هذه القضية بكل تمعّن إن كانت هناك جريمة أو اعتداء بفعل فاعل.. وإن اتّضح بأن إبني قد وافاه الأجل المحتوم في ساعته فإني راضية كلّ الرضا بقضاء اللّه وقدره.
سأرحل من المكان
أما الجدّ عمارة وهو كهل في الخمسين من عمره فقد وجدناه خامدا صامتا شاحب الوجه من أثر الحزن والسفر وقد علّمته الغربة وسنوات المحن بأن ينطق بكلام شبيه بالحكم فقال: يخامرني التفكير في الرحيل.. وأبرح هذا المكان الذي تُزهق فيه الأرواح.. كان يمكن أن تتعتّم الحقيقة حين يسدل اللّيل ستاره على الكون فيحجب بسواده نسبة من الأحداث ويتبخّر الأثر أو البصمة مع بزوغ نور الشفق الأحمر.. ولكننا نقف عند دائرة الاستغراب حين يلقى حفيدي مصرعه في واضحة النهار وفي مكان آهل بالسكان والمتساكنين دون أن ينبس صغيرهم ولا كبيرهم بحقّ القول وصدق الشهادة.. وإن استطاعوا كتمانها في الدنيا.. فسيُطالبون بها في الآخرة ويبقى الحساب ليوم الحساب..
منقــــــــــــول..