بسم الله الرحمن الرحيم
نبداء
(اليوم الأول)
كاد ذلك الضجيج الذي ينطلق من أحد الفصول في المدرسة الثانوية أن يصل إلى غرفة المدير وكان كل من يمر من أمام ذلك الفصل يعتقد أن الأستاذ غير موجود أو غائب عن المدرسة إلا بعض الطلاب،فهم يعلمون من هو الأستاذ الذي يمكن أن تحدث في وجوده هذه الضجة...إنه مدرس مادة الرياضيات..
نعم..إنك لم تخطئ القراءة...فلقد كان مدرس الرياضيات هذا هزيل الجسم قصير القامة وكان يسعى جاهداً لإسكات بعض الطلاب أو إيقاظ أحدهم من سابع نومه..أو من حلم جميل...ويحث بعضهم على كتابة الدرس معه ويحاول عبثاً أن يهددهم بخصم درجاتهم إذا لم ينفذوا أوامره الصعبة المستحيلة..
ويغضب أحياناً فيبدو كوحش كاسر ويعتبر نفسه قد فعل شيئاً عظيماً عندما يطرد أحد طلاب (الجهل) فيستغل هذا الطالب الفرصة الذهبية لشراء فطور له من مقصف المدرسة،أو يلتقي بشلة (الهبقة) التي اتخذت أحد أركان فناء المدرسة مقراً لها وأحياناً يذهب إلى دورة المياه وإلى حمام خاص تقع أعلاه مروحة الشفط ليعدل مزاجه (بسيجارة أو بسيجارتين) أو يذهب لزيارة أحد الجيران في أحد الفصول الأخرى (تطبيقاً لدرس صلة الرحم في مادة المطالعة في الصف الثالث الإبتدائي)..
وبعد أن يتم كشفه يمسك به الوكيل من ياقته ويعود به إلى فصله ويعتذر للمدرس عن الطالب ويعده أيضاً بأنه (ما عاد يعودها)..
يستقبله أستاذ الرياضيات بصدر رحب (ما شاء الله ...روح رياضية)
ويجلسه مكانه وما إن يخرج الوكيل حتى تبدأ الاعتراضات والمناورات ويعود ذلك الضجيج وكأن شيئاً لم يكن قبل قليل...
وكالعادة ...لا حياة لمن تنادي،وقلة هم الطلاب الذين يصغون لشرح المدرس وهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة ، ولكن هناك مشكلة صغيرة في هذا المدرس هي انه لا يهتم لمن يكتبون معه...
فهو يملأ السبورة ثم يمسحها ثم يملأها مرة أخرى دون أن يسأل:
هل انتهيتم؟ هل أمسح؟؟ هل هناك أي سؤال؟
وذات يوم كان أحد طلاب أصابع اليد الواحدة يبذل قصارى جهده للحاق بالكتابة خلف هذا المدرس الذي يبدو أنه يستخدم قلماً إلكترونياً أو يداً آلية للكتابة بهذه السرعة الفائقة..
ويبدو أن هذا الطالب لم ينجح في ذلك وبعد عدة محاولات من الفشل ثار ذلك الطالب..
وقرر التمرد على ذلك المدرس المسكين وصرخ بصوت سمعه جميع من في الفصل رغم تلك الضجة الهائلة:
أستاذ....وبعدين معاك؟؟!
وليته لم يفعل...
فهو لم يتوقع ذلك الرد من المدرس الذي كشر عن أنيابه وهو يتجه إلى نهاية الفصل بحثاً عن ذلك الطالب قائلاً:
من هذا الطالب اللي قليل الأدب؟
وراح يجول بنظره في وجوه الطلاب بحثاً عن ذلك المتمرد ويبدو أن أحد (الدبابيس) الذين كانوا خلف ذلك الطالب قد أشار إليه ، فحدق فيه المدرس بغضب (ولم يكن ذلك الطالب من النوع المشكلجي) لذلك سرت في جسده رجفة خفيفة إضافة إلى القليل من القشعريرة الباردة والمدرس يقول له:
_ اطلع برّه
ولا أعرف حينها كيف أصف لكم (برطم الأستاذ) الذي تدلى مسافة من 3 إلى 5 سنتيمترات (على الأقل).
وحاول ذلك الطالب تبرير موقفه بأنه كان يهم بكتابة الدرس لولا أن مسحه المدرس ولكن يبدو أن المدرس مصر على رأيه وهو يكرر عبارته على رأس الطالب:
_ اطلع برّه
ويتدلى (البرطم) مرة أخرى وهذه المرة مع القليل من الأمطار ..
فيرضخ الطالب لذلك الأمر(حكم القوي عالضعيف)
ويخرج مستسلماً والمدرس يكمل:
لا عاد تحضر لي حصة..
فازداد الطين بلّه ، وانتهى اليوم الأول هكذا.
يتبع اليوم الثاني.,,,