الحــ،ــاج شيحــ،ــة
كلنا سمعنا الخبر , وقرأناه في كل الصحف , في ذلك الصباح ..
الدولة قررت عدم السماح بأداء فريضة الحج , لمن أدوها في العام الماضي , حتى تتاح الفرصة للآخرين ، ويخف الضغط في موسم الحج ..
كلنا استقبلنا الأمر واستوعبناه , وأدركنا حكمته ومغزاه .. إلا الحاج ( شيحة ) ...
والحاج ( شيحة ) هذا واحد من أبناء حارتنا , لا أحد يعرف وظيفته أو مهنته بالضبط ، ولكنه يؤكد دوما أنه يزاول الأعمال الحرة , وإن لم يفصح قط عن طبيعة هذه الأعمال ، مما جعلنا نكتفي بحديث زوجته الحاجة (فتحية ) ، عن عمله كسمسار مقاولات ، في بعض الأحياء الراقية ..
ومنذ انتقال الحاج ( شيحة ) وزوجته للسكنى في حارتنا ، اعتدنا أن نراهما يؤديان فريضة الحج سنويا ، وإحاطة سفرهما وعودتهما بمظاهر احتفالية خاصة ، تروق كثيرا لأهل الحارة ، وتثير فرحتهم .. وربما غيرتهم أيضا ..
ومع عودتهما من الأراضي المقدسة اعتدنا أيضا أن يسيل لعابنا ، وتسيل معه تساؤلاتنا، عن نوعية الهدايا والهبات ، التي يوزعانها علينا جميعا كل عام ، فبساط صلاة لهذا ، وجلباب لذاك ، وثوب مزركش لتلك .. وهكذا ..
وعندما أعلنت الدولة تقييدها لعدد مرات الحج السنوية ، امتقع وجه الحاج ( شيحة )، واحتقن، واحمر واصفر ، ثم صاح بكل غضبه :
- كلا .. هذا ظلم .. ظلم فادح ..
كلنا نقدر جميعا عشقه السنوي لأداء فريضة الحج، وإصراره الدائم عليها ، لذا فقد رحنا نبذل جهدنا ، لتهدئة مشاعره ، وإقناعه بحكمة القرار ، ورحت أنا أقول له في هدوء :
- فريضة الحج تكفيها مرة واحدة يا حاج ( شيحة ) ، وهى تسقط عن المسلم بعد هذه المرة .
لوح بذراعيه هاتفا في حدة :
- مستحيل ! لابد أن أذهب للحج ..لا يمكنني أن أضيع غنيمة كبيرة كهذه .
اقتربت منه بهدوء وأنا أقول :
- الحج ليس الوسيلة الوحيدة ليغنم المرء ثواب الله ( سبحانه وتعالى ) .. يمكنك أن تتبرع بمبلغ أداء فريضة الحج هذا العام إلى احد مستشفيات الأورام ، أو أجهزة الغسيل الكلوي ، أو حتى لأحد الشبان الراغبين في الزواج .. هذا حتما سيمنحك ثواب اكبر
تطلع إلى كما لو كنت مجنونا ، ثم هز رأسه في قوة ، قائلا :
- أنت لا تفهم شيئا ... لا تفهم شيئا ..
قالها ، ونهض في حدة ، واندفع يغادرنا في توتر بالغ ، وهو يلوح بذراعيه ، ويهمهم بكلام غير مفهوم ، فغمغم جارنا الأستاذ ( فرحات ) :
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. الراجل عاجز عن استيعاب فكرة عدم السفر للحج هذا العام !
هززت رأسي قائلا :
- لا بد أن يعتاد هذا .
أومأ جارنا الآخر ، الأستاذ ( ثروت ) برأسه ، وقال في هدوء :
- سيجد وسيلة .
قلت في دهشة :
- أية وسيلة ؟! إنه قانون .
ابتسم في رصانة وغموض قائلا :
- الحاج ( شيحة ) سيجد وسيلة .
لم افهم ما يعنيه ، ولا سر ثقته العجيبة بالحاج ( شيحة )، حتى فوجئنا بالرجل يقبل علينا ، بعد أسبوع واحد ، وهو يلوح بجواز سفره في فرح وسرور ، قائلا :
- لقد فعلتها
سألته في حيرة :
- فعلت ماذا؟!
جذب الحاج ( شيحة ) مقعدا ، وجلس إلى جواري ، قائلا في ظفر فرح :
- حصلت على التأشيرة ، وسأسافر لأداء فريضة الحج ، هذا العام أيضا .
سألته بكل الدهشة :
- ولكن كيف ؟!والقانون؟!
أشار الأستاذ ( ثروت ) بسبابته في وقار، قائلا :
- المال يفتح كل الأبواب .
هتفت بدهشة مستنكرة :
- المال ؟!
ضحك الحاج ( شيحة ) ، وعاد يلوح بجواز سفره ، قائلا :
- نعم يا رجل .. المال .. لقد ابتعت تأشيرة خاصة .
هتفت باستنكار أكثر :
- لأداء الحج ؟!
هز رأسه نفيا ، ومال نحوى ، قائلا في ظفر:
- بل للعمل في أثناء فترة الحج .
سألته في حيرة :
- ماذا تعنى ؟!
اعتدل مجيبا في حماسة :
- إنها التأشيرة التي تحصل عليها كل الفئات المعاونة ، في فترة الحج .. مثل السائقين ، والحلاقين، والعاملين في المناسك والفنادق .
سألته في دهشة منفعلة :
- وكيف أمكنك الحصول على تأشيرة كهذه ؟!
ضحك، وهو يشير إلى الأستاذ ( ثروت ) ، قائلا :
- بالمال يا رجل .. بالمال !
هتفت في غضب مستنكر :
- من السفارة ؟!
هز رأسه نفيا ، وهو يقول :
- مستحيل ! السفارة لن تتجاوز القانون أبدا .. لقد حصلت عليها من إحدى الشركات ، التي تورد الفئات المعاونة ، في موسم الحج .
ثم عاد يضحك في ظفر ، ويلوح بجواز سفره ، هاتفا :
- المهم أنني سوف أسافر مع الحاجة، هذا العام أيضا .
أدهشني أسلوب الرشوة والتحايل ، لأداء فريضة مقدسة كهذه ، إلا أنني آثرت الصمت ، واكتفيت برفض القلب ، حتى سافر الحاج ( شيحة ) مع الحاجة ( فتحية ) كعادتهما ..
ومرت الأيام ونسيت الأمر كله , وانشغلت في أيام العيد ، وما أعقبها من إعادة تنظيم وتدبير ، و....
<< هل سمعت أخبار الحاج ( شيحة ) وزوجته ؟! >>
فاجأني الأستاذ ( فرحات ) بالسؤال، وهو يقبل علينا من المقهى ، فقلت في دهشة :
- عجبا .. كيف نسيت أمره هكذا تماما ؟! صحيح ..ما أخبارهما ، ولماذا لم يعودا من الحج حتى الآن ؟!
مال الأستاذ ( فرحات ) نحوى قائلا :
- لقد عادا ، ولكن ليس إلى الحارة .
سألته في دهشة أكبر :
- إلى أين إذن ؟!
التقط نفسا عميقا قبل أن يجيب :
- إلى السجن .
مط الأستاذ ( ثروت ) شفتيه ، دون أي تعليق ، وكأنما لم يدهشه هذا ، في حين كدت أنا اقفز من مقعدي ، صارخا :
- السجن ؟! لماذا ؟! هل حاولا تهريب بضائع من الجمارك ؟!
أجابني في سرعة :
تهمتهما ليست التهريب .... إنها النشل .
اتسعت عيناى عن آخرهما ، وكاد قلبي يتوقف ، وأنا أهتف :
- النشل ؟! مستحيل !
مط الأستاذ ( ثروت ) شفتيه مرة أخرى ، والأستاذ ( فرحات ) يقول في حماسة عجيبة :
- إنها مهنتهما منذ زمن طويل .. النشل .. وإصرارهما على السفر للحج كل عام كان بسبب ما ينشلانه من الحجيج هناك .
رددت في ذهول :
- النشل .
غمغم الأستاذ ( ثروت ) :
- كنت أعلم هذا منذ البداية .
ثم نهض ، وانصرف مع الأستاذ ( فرحات ) ، وهما يتحدثان عن الأمر ، وتركاني على المقهى وحدي ، ذاهلا مذعورا ، أراجع في أعماقي التاريخ كله ..
تاريخ جارنا الحاج ... ( شيحة ) .