أخذت ارقب سطح النيل التي أصبح يضج بالحركة مع انتشار أشعة الشمس وتغلغلها بين قطرات مياهه , دائما اشعر براحة غريبة كلما حضرت إلي هنا وكأني القي إلي النهر كل متاعبي وهمومي التي تثقل صدري طوال الأسبوع , فكلما تأملته انتابني إحساس إن هناك شريان خفي يصل بين هذا النهر العظيم وأوردة كل المصريين ليتدفق ماءه إلي عروقهم ليحمل إليهم كل صفاته من حب وخير ووداعة وأحيانا غضب وثورة ..
انتشلني من أفكاري هذه مشهد طالما مر أمام عيني دون ادني اهتمام مني فقد كانت هناك سفينة فارهة تمخر النهر بينما كان علي بعد أمتار قليلة قارب صيد رث يتهادي وقد بدا لي وكأنه يرقب هذا الكيان الهائل المار بجواره بحسرة وانبهار حيث مقعد علي مائدة في واحدة من تلك المطاعم العائمة يجاوز دخل أسرة كاملة تحاول إن تتصنع الرضا بواقع عيشها الصعب ..
أخذت ارقب قارب الصيد هذا وقد لاحظت انه يقترب من اليابسة ,وقد لفت اهتمامي إن قاطنيه لم يكن فقط الصياد , بل كان يرافقه أفراد أسرته مما أوحي لي إن هذا القارب العتيق تتجاوز مهمته كونه وسيلة لكسب العيش بل هو يؤدي أيضا دور بيت للصياد وعائلته
أثار أمر هذا الصياد العديد من التساؤلات داخلي بقدر ما أثار لدي الكثير من الفضول الصحفي وحينئذ وجدت صعوبة شديدة في إن اكبح تلك الرغبة العارمة في أن أتطفل علي حياة هذا الصياد ليكون هو موضوع تحقيقي الصحفي القادم , ربما راودني بعض الامتعاض مع شعوري بأني اجعل من شقاء إنسان مداد لقلمي لكن أليست تلك طبيعة الحياة ألا يعتمد الطبيب علي الآم المرضي كوسيلة لكسب العيش ...
ربما يقال انه يخفف من آلامهم لكني أنا أيضا أساعدهم حتى ولو كانت مساعدتي تلك مجرد كلمات ؟!
كان حينئذ يجلس علي حافة القارب , لوحت له بيدي وأنا اقترب من مركبه التي رست علي البر, بدأت حديثي بتقديم نفسي له
ازيك يا حاج , ممكن اتكلم معاك شوية , اصلي بعمل تحقيق عن حال الصيادين
ثم صمت منتظرا وقع كلماتي عليه ..
رمقني الصياد العجوز بنظرة متفحصة وكأنه يحاول من خلالها غور أعماقي ثم شرد بذهنه للحظات جعلتني اتامل ملامحه عن قرب ..
كانت التعاريج التي أحدثتها السنين علي وجهه عميقة وغائرة بينما احدي عينيه ساكنة في ظلام سحابة من المياه البيضاء قد استوطنتها منذ زمن , بينما كانت يده ترتعش في اهتزازات شبه منتظمة ..
ثم أخيرا أومأ برأسه علامة الموافقة ثم انحني وهو يتناول لوح خشبي ما لبث إن القي طرفه لليابس لكي أتمكن من الصعود إلي القارب ..
ما إن وطأت قدمي سطح القارب حتى أخذت أتجول ببصري في كل أرجاء المكان ,لم يكن القارب يحمل من متاع ما يلفت الانتباه , فقط صندوق خشبي عتيق تكاد إن تتفكك أوصاله من تأثير الزمن عليه وبعض أجولة متناثرة في أنحاء القارب بينما هناك في منتصف القارب زوجة الصياد كانت تجلس القرفصاء تسكن نظراتها المطرقة حزن عميق ما لبثت إن تحولت لنظرة توجس ما إن وقعت نظراتها علي ..
الشاي يا نحمد
وجه ندائه لابنته التي كانت ترافق شقيقتها في أخر القارب وقد انهمكت في أصلاح شبكة الصيد كما أدركت بعد ذلك بينما كانت الصغرى تنصت لمذياع تحمله في يديها ..
أدهشني إن لا احد منهم استجاب للنداء بل لم تصدر عن أي منهم أي حركة توحي بنية لتلبيته وان اكتفت الصغرى بنظرة خاطفة رمقتني بها ثم عادت لما كانت تفعله
سألته في البداية عن كونهم يتخذون هذا المركب المتهالك مسكن لهم , كانت نبرة صوتي توحي باندهاشي , بينما كانت عيني مازالت تنهش كل ركن من المركب غير مصدقة
اللي رماك علي المر اللي امر منه
أجابني بتلك العبارة المقتضبة بينما سافر ببصره بعيدا باتجاه البر
طيب ما حاولتش تشوف حد يساعدك او تقدم طلب للحكومة يجيبولك مسكن
ابتسم ابتسامة باهتة وقد حملت عينه الكثير من الكلمات لكنه هذه المرة أيضا اكتفي بكلمتين فقط " المساعد ربنا "
اوحت لي بمدي ما يحمله داخله من إيمان عميق وربما يأس أعمق ؟!
جلست متخذا من جوال وجدته مقعدا , ثم سألته مستفسرا ..
من امتى وانت تمارس الصيد يا حج ؟
تنهد وزفر زفرة عميقة ثم قال
ياه ... من زمان أوي ..
من يوم ما وعيت علي الدنيا , وانا بساعد أبويا ما هو برده كان صياد , عمري كله وانا معرفش حاجة تانية اعملها غير الصيد
حتى ذلك الوقت ظلت زوجته ترمقنا في صمت بل وعدم اكتراث وكأن الأمر لا يعنيها دون إن تحاول إن تتدخل في الحديث , حتى كان سؤالي وأنا أشير للفتاتين
دول كل ولادك
فإذ بها تنتفض في مكانها وكأني ارتكبت خطأ لا يغتفر
أزاي ربنا يبارك في أخوهم الكبير محمود
التقطت طرف الخيط وقد أسعدني إنها أخيرا تخلت عن صمتها فسالت في فضول ..
هو مش بيشتغل صياد برده
هو بيشتغل نجار مسلح علي البر , اصله اجوز واحدة من البر وربنا رزقه بولد وبنت
كانت تتحدث وعينيها تمتلئ بعاطفة أمومة صادقة تجاه وليدها بل وعلت وجهها ابتسامة صافية لأول مرة أراها منذ إن بدأت حديثي ..
تقمصتني حينئذ روح المحقق فتابعت حديثي بسؤال ندمت عليه بعد ذلك ..
هو مش بيجي يزوركم علي طول
كان الصمت هو الجواب الوحيد الذي تلقيته , بينما حديث بالنظرات كان يدور بين الاثنين
حتى قررت هي إن تقطع هذا الصمت وبدت كأنها تدافع عن وليدها أمام نظرات الاتهام التي كانت تفيض بها عينه
الدنيا تلاهي يا بني , والمعايش صعبة
لمحت في تلك الأثناء غلالة من الدموع تغشي عينه السليمة
انت محتاج منه حاجة
حاولت بعبارتها تلك إن تشد آزره لكنها كانت لها تأثير عكسي تماما
فقد أجهش الصياد العجوز في نوبة من البكاء المرير, صاحبها نوبة سعال حادة ,وقد أخذت يده ترتعش بقوة , راودني ساعتها إحساس بالذنب , وألح علي عقلي سؤال قهري هل أنا نكأت أحزانه بقسوة من خلال حديثي هذا , أم إن أحزانه تلك هي رفيقته التي يشعر بثقلها في حياته كلما لطمته الأيام بتقلباتها المستمرة ..
الميه يا بت
انتبهت من أفكاري علي صياح زوجة الصياد , وفي هذه المرة لبت الأخت الكبرى التي عرفت إنها هي نحمد تلك التي اختصها الصياد بندائه الأول , وأحضرت القلة مهرولة ,ثم دفعتها لأبيها وقد وضح علي وجهها تعابير الخوف والقلق لأجدها أنا فرصة لتأملها عن قرب , كانت تحمل ملامح جميلة وان بدت مختبئة تحت طبقة كثيفة من الشقاء والحزن , يبدو إني أطلت النظر إليها أكثر من اللازم مما جعل وجهها يتدرج بحمرة الخجل مع ملاحظتها لنظراتي
انتي مخطوبة يا نحمد
كان سؤالي مباغت لها وقد تسبب في زيادة ارتباكها فما كان منها إلا أن ولت وجهها تجاه والدتها وكأنها تطلب منها العون , وبالفعل تولت زوجة الصياد عناء الإجابة عن سؤالي
هي مخطوبة لابن خالتها واتدخل كمان شهر
لكني أعدت دفة الحديث إليها مرة أخري مستفسرا
انتي دخلتي المدرسة يا نحمد
هذه المرة تكفل الصياد بالإجابة
العلام ليه ناسه يا بني , وهي اتعمل ايه بالعلام , ابن الوزير ايطلع وزير وابن الصياد ايطلع صياد
ثم صمت فجأة , ربما يكون قد تذكر ساعتها إن ابنه قرر التمرد علي مهنته مفضلا العيش علي البر باحثا عن حياة أفضل لأولاده بعيد عن الشقاء التي قاساه من حياة الصيد التي عايشها مع والده .
حاولت إن اقطع هذا الصمت من خلال سؤال قفز إلي ذهني بغتة
هو الرزق بتاع الصيد مش بيكفيك
يا ولدي رزق البحر ده في حكم الغيب ممكن يوم يكون الرزق كتير ويوم بيكون قليل و في ايام الرزق بيكون شحيح ...
صمت قليلا ثم أردف
انت عارف احنا بقالنا يومين غموسنا شوية ملح ودقة ..
كان يتكلم بتأثر واضح حتى خشيت إن تعاوده نوبة البكاء مرة أخري ..
لكن هنا تدخلت زوجته التي أصبح رباطة جأشها يثير إعجابي محاولة إن تبث الرضا إلي نفسه
الحمد الله , احنا احسن من غيرنا
في النهاية لم يكن هناك كلام يقال أكثر مما قيل , لكني لم أشأ إن أغادر السفينة دون أتحدث إلي الابنة الصغرى التي بدت لي إنها لم تتجاوز السادسة عشر من عمرها وقد أثار فضولي تجاهها تلك النظرة الهائمة التي تحملها عينها والتي لاحظت إنها دائمة التنقل بين المذياع والشاطئ , وقد بدت أنها تعيش في عالم خاص بها وحدها
سالت والدتها عن اسمها كمقدمة لطلب الحديث معها فما كان منها إلا إن نادتها
تعالي يا أمل البيه عاوز يكلم معاكي
استأذنتها إن اذهب أنا للحديث معها , فقد كنت أريد الحديث معها بمفردها حتى لا يتسبب وجود والديها بجوارها في عدم استرسالها في الحديث بحرية
علي عكس أختها كانت تتمتع بجرأة واضحة فعندما نظرت في عينيها لم تحاول إن تهرب من نظراتي بل ظلت علي ثبات نظراتها تجاهي
انتي مخطوبة يا امل زي اختك
هو ابن عمي كان عاوز يجوزني بس انا موافقتش
ليه هو مش عجبك
هو كويس بس هو صياد زي ابويا
أثارت إجابتها دهشتي فسألتها في فضول
انتي مش عاوزة تجوزي صياد
سرحت بنظراتها تجاه اليابسة للحظات ثم أطرقت رأسها في صمت وكأنها لا تجد من الكلمات ما تعبر به عن أمنيتها التي أوضحتها نظراتها , فسألتها سؤال أخير
ايه امنيتك اللي نفسك تتحقق يا امل
ولت نظراتها تجاه اليابسة مرة أخري ثم نبتت عن شفتيها ابتسامة حالمة وهي تقول عبارة واحدة لخصت كل أحلامها
انا عايزة اعيش في بيت علي البر
__________________
منقــوٍل