300 ألف اعتداء في أوروبا و 100 ألف تهديد لحكم

ظلت شعارات اركلوا العنصرية..ارفضوا تعاطي المنشطات.. تجنبوا العنف.. اتركوا الغش.. وقروا الحكام.. تنظيراً منصوباً منذ الأزل داخل ساحات المستطيل الأخضر ولكنها لن تجد التنفيذعلى حيز الواقع ..وإذا تحرينا الأمانة فينبغي أن نعترف بأننا كلنا متهمون بالإساءة إلى حكام كرة القدم..ولكن تبقى علامة الاستفهام الحائرة مرفوعة هل يستحق هؤلاء الرجال كل هذا الكم من الكراهية ؟ الصحفي (ستانلي روفر) يسلط الأضواء في مجلة فيفا على هذه المعضلة، مؤكدا أن الإهانات والشتائم التي تطلق باتجاه الحكام تعتبر بكل المقاييس تجاوزات لخطوط حمراء لا يتقبلها حتى رجل الشارع العادي حينما يختلف مع آخر، فبعضها جارحة إلى درجة أنها لاتليق حتى بالحيوان ناهيك عن الإنسان.. ولكن للأسف فإن الكرة التي تعتبر اللعبة الأكثر شعبية لم تنج من هذه الشرور التي تشوه جمالياتها..هذه الشرور تتعلق بالعنصرية وتعاطي المنشطات والعنف والغش..ورغم أن هذه الانحرافات معزولة ولايمكن تعميمها، إلا أن فيفا لم يترك مناسبة إلا وطالب وناشد بإعلان الحرب عليها كونها تدمر الكرة، ومع ذلك فإن الاعتداء على الحكام أصبح ممارسات دائمة في ملاعب كرة القدم منذ مائة عام..فمع تزايد واتساع شعبية اللعبة ونجاحها في جذب الملايين من المشجعين زادت وتيرة الخلافات والمنازعات حول نتائج الكرة، وأصبح الحكام أكباش الفداء الذين تستهدفهم أصابع الاتهام..إحصائيات الاعتداءات والاتهامات التي تستهدف الحكام بلغت أرقاما قياسية منذ بدء المنافسات عام 1883..بعد ذلك بعام أدت اتهامات واحتجاجات إلى طرد نادي ريكسام الإنجليزي من عضوية اتحاد الكرة..المؤسف أن العقوبات الصارمة فشلت حتى الآن في منع التحرش والاعتداء على الحكام وبالتالي انتقل فيروس هذا المرض إلى نسيج كرة القدم وأصبح جزءاً لايتجزأ من المنافسات. فيما سقطت على آذان صماء كل نداءات ومناشدات فيفا بضرورة احترام حكام الكرة.
الصحافة تدخل في الحلبة
على أن الذي أدى إلى انحطاط قوانين الانضباط هو دخول الصحافة في الحلبة بتهييجها مشاعر الجماهير ضد الحكام.. فبمثلما تشتعل النيران من مستصغر الشرر تبدأ الانفلاتات بهتافات بسيطة بين الجماهير ثم تتطور الأمور إلى تراشق بالمقذوفات تتجه بعدها إلى الحكام..بعض الحكام المخضرمين من ذوي الخبرة يحنون الرؤوس أمام هذا العواصف ويواصلون عملهم ولكن سرعان ماتتطور الأمور إلى الأسوأ حينما تتحول الشتائم اللفظية إلى اعتداءات جسدية.. وكثيرا مانقلت شاشات التلفاز حكاما ينزفون دما من أنوفهم ورؤوسهم بعد تعرضهم لإصابات من مواد حادة كالزجاج وقطع العملة.. وخلال فعاليات الدوري الألماني عام 2006 أدخل أحد الحكام إلى المستشفى بعد أن أصيب بجرح نافذ في بطنه من عصا الراية الركنية سددها له رجل خط.
ولعل عدة أمثلة تؤكد ماذهبنا إليه، ففي نهائيات أمم أوروبا 2004 ألغى الحكم السويسري اورز ماير هدفا كان سيؤدي إلى خروج إنجلترا مبكرا من البطولة، ولكن رغم تبريره لقراره إلا أنه تعرض لحملة شعواء من الصحافة التي صبت مزيداً من الزيت على كراهية الحكم، والتقطت القفاز إحدى صحف التابلويد وقامت بنشر بريده الإلكتروني على صفحاتها، حاثة الجماهير لبعث رسائل حارقة له، وبالفعل فقد تلقى ماير 100ألف رسالة من الشتائم والإهانات تخللتها تهديدات بالتصفية الجسدية، بل تجرأ البعض بالاتصال بزوجته السابقة وأطفالها وعرض عليها رشاوى لتشويه سمعته لقتل شخصيته..والنتيجة أن الحكم الدولي أصيب بحالة اكتئاب وقرر بعدها اعتزال التحكيم في ديسمبر 2004.. في موسم 2006 اضطر الاتحاد الألماني لإلغاء 70 مباراة خوفا من أعمال العنف.
في العام االماضي وبعد مباراة في دوري الأبطال الأوروبي بين برشلونة وتشيلسي استقال الحكم السويدي المشهور فرينسك، والذي يعتبر أفضل الحكام في العالم بعد تلقيه رسائل من جماهير نادي تشيلسي تتوعده وتهدد لابقتله فحسب بل قتل أسرته معه.. علما بأن نفس هذا الحكم كان قد تعرض لجرح قطعي في رأسه خلال المباراة وغادر الملعب مستاءً من المهنة التي أفنى زهرة عمره فيها، فيما كسب الرعاع والبلطجية نقاطا على حسابه.. ولعل الصور التلفزيونية التي تعكس هذه التشوهات أصبحت مشاهد عادية رغم أنها لاتمثل سوى الجزء البارز من جبل جليد يسبح فوق سطح المحيط..الاعتداءات أصبحت حقيقة ممارسات عادية مألوفة، وهي بهذا تضرب في مقتل كل القيم والمثل الرياضية بعد أن تحولت إلى مواجهات وتحرشات وصور من الكراهية والعدوانية حصرها الاتحاد الدولي لكرة القدم في 300 حالة اعتداء على حكام أوروبيين خلال موسم واحد..وفي هذا الصدد فقد خاطب فيفا الاتحادات الإقليمية الستة بإرسال تقارير وإحصائيات عن الجرائم ضد الحكام ولكنه لم يتلق رداً سوى من اتحاد واحد.
جرائم الكرة والاغتصاب تتشابهه
وفي غياب المعلومات والإحصائيات فإن مثل هذه الجرائم أشبه بجرائم الاغتصاب التي لايتم التبليغ عنها في العالم..وهي إن دلت على شيء إنما تدل على أن الحكام ليسوا في مأمن، وأنهم تحت سيف التهديد دوما..فالإساءات توجه إليهم والمواد القاتلة تطلق باتجاههم..اللاعبون والجماهير يعتدون عليهم..فأحيانا يتم نطحهم بالرؤوس وأحيانا يتلقون اللكمات الخطافية وكثير من الأحيان يسقطون أرضا بالركلات ويصابون بارتجاجات في المخ..وجوههم تدمي وعظامهم تكسر والمحظوظ من يتم تهشيم زجاج سيارته.. وأحيانا تتعرض ممتلكاتهم داخل غرف تغيير الملابس للسرقة بل وفي كثير من الأحيان يتم التحرش بهم عقب المباريات.. السؤال هنا: أين النجاة وكيف يتم حماية زوجات حكام يتلقين تهديدات عبر الهاتف؟ هذه الانحرافات التي تطال الحكام الأبرياء تلطخ حقيقة الوجه الجميل للكرة..غير أن هذه الصور الكالحة لاتقتصر على الاعتداء بل تتجاوزه إلى صورة أكثر قتامة وهي التفرقة العنصرية..وهذه مشكلة عالمية تصدت لها العدد من المنظمات.. وفيفا من جانبه لم يألو جهدا في دعم أية توجهات لمكافحة هذه الآفة الجديدة، وهو على أتم استعداد لتدشين حملة مكافحة تنادي بالآتي:
ـ إقامة شراكة عملية مع المجموعات والاتحادات التي تمثل اللاعبين والمدربين والحكام والمثقفين داخل الوسط الرياضي.
ـ إعلان سياسة عالمية والبدء في تنفيذها.
ـ تعبئة كل الدعم الخاص بالإدارات الكروية في العالم على الصعيدين الإقليمي والمحلي لتطبيق هذه السياسات.
ـ الضغط على الهيئات التشريعية لحماية مسؤولي الرياضة.
ـ تنسيق الأنشطة والإشراف على أدائها.
وتبقى الحقيقة أن عدد الحكام الذين يجأرون بالشكوى من سلوك صغار اللاعبين الذين يعتقدون أن الاحتجاج على قرارات الحكام واجب قد تزايد بصورة ملحوظة مؤخرا، فهؤلاء يقلدون الكبارالذين يعتبرونهم مثلا أعلى..ولعل هذا يبرر ضرورة الإسراع بتوعيتهم.. كما أن المسؤولية تنصب أيضا على الأندية في تحمل كل مايتيح عن سلوك لاعبيها وضرورة تطبيق أقصى العقوبات عليهم..ومن جانبه فإن فيفا يضع ثقته الكاملة في 720 ألف حكم من الجنسين تم تأهليهم للقيام بواجباتهم نحو توخي اللعب النظيف، ولكن من حقهم أن يجدوا الحماية الكافية لأداء مهامهم فضلا عن التشجيع اللازم من أجل مصلحة اللعبة، ولقد آن الأوان لتطبيق هذه السياسات.