وداعا يازهور الافندر.....
موقف الحافلات يبدوا ممتلئا
احس عامل بارتياح رغم العواصف
التي تزمجر داخله الآن وهو ينتظر
الحافلة.....
ذكرياته تمر كشريط سريع ..
صورة دراجته الصغيرة والشرائط
السوداء المربوطة في مقابضها تلح
تلح عليه بشدة...تذكر حسام ابن جيرانهم
الذي كان يستعيرها صباحا ليوزع بها الصحف....
لم يفهم لماذا بدأ راسه ينبش تفاصيل حياته البعيدة..
كان لايجدد غضاضة بان يلعب مع ابنة خالته بدماها الكثيرة بينما جميع الاولاد يعتبرون ذلك عيبا...كيف كان يتضاحكان ويرشقان الماء...
كل يوم يذهب للحقل القريب ويبدا بقطف زهور الافندر التي يجثوا امامها لساعات ..يلفها في ورقة ممزقة من دفتره ويقدمه لامه التي توبخه كلما جلب لها باقة جديدة ....
كان يريد خلال اسبوع جمع زهور لافندر كثيرة في صندوق كي يرى ابنة خالته هذا الشيء العظيم..لكنه اكتشف في نهاية الأسبوع أن نصف الزهور فاسدة !!!
استقل الحافلة بدأ يتصفح وجوه الركاب يشاهد قبعات صغيرة تبسط فوق الرؤوس كبصقة شيطان رجيم ..رأى صبيا له حاجبين مقترنين يحدق فيه بقوة ..تماسك وبدا بتعديل قبعة الصغيرة بأصابع متوترة ..
اخوه الاكبر نبيل اتى مسرعا ذلك اليوم ويده ممسكة بوثيقة تخرجه... كان مسرعا تتقافز الفرحات داخل قلبه النقي ...لم يصبر حتى ينتهي حظر التجول المفروض على المنطقة ...اخذ يركض ليصل الى بيت امه ليسمع زغاريد امه ...
كان يركض ليحتضن امه ...عندما احتضه رصاص غادر...
وسقط الجسد الطاهر واختلط بالدم بوثيقة التخرج ويد نبيل مازالت ممسكه بها بقوة...
الصبي ذو الحاجبين المقترنين مازال يحدق في وجهه.. وضع يديه وراء راسه بلا مبالاة بينما قلبه ينتقض كعصفور بلله المطر...
صرف الصبي نظره حول النافذة ..فتنهد عامر..
حقل ابيه كبيرا جدا ..استاذن اباه بان ياخذ بقعة صغيره وزرع فيها زهور لافندر كثيرة ..أمه توبخه(كيف تأخذ هذه القطعة ثم تزرعها بأشياء تافهة لاتسمن ولا تغني من جوع)
(أمي انها ليست تافهة انها تشبهك)
(أنا لاأدري من أين خرجت أيها الولد ؟منذ صغرك وأنت تغرفني بهذه الزهور التي لاادري من أين جاءت ..اللهم طولك ياروح)
(دعي الولد يا ام عامر ..فله كان في القلب ..هو طيب المستقبل ..الله يمد في اعمارنا حتى نرى ابناءه )
(ربي يسمع منك يا أبا عامر)
طأطأ رأسه خجلا ثم خرج ...الحافله تهتز قليلا بعد تجاوها احد المطبات ...لم يبقى سوى القليل.. محطتين وينتهي كل شي ..تتوقف الحافلة ارتاد من البشر تتماوج عند المحطة ..اناس يصعدون واناس ينزلون...
تحركت الحافلة ..
قبل شهرين ..
احد يهمس في اذنه يوم الجمعة (أحس الله غزاك ..ثامر استشهد اليوم عند البوابة الغربية )
تذكر كيف دهش وكيف نزلت دموعه وكيف احتضن احمد وهو يجهش بالبكاء ..ثامر صديق الطفولة استشهد ..في الليل تخيل ان الزهور تنتحب وان النجمات تنشد غناء حزينا وان الحقول تئن وهي مأكولة القلب والجذور
تخل أن كل الطيور لم تغادر اعشاشها في الغد...
(ثامر استشهد ورحل إلى الرفيق الأعلى ...ونحن متى متى نلحق بركب الأنقياء؟)قالها أحمد بعصبية ...
(سأخبرك شيئا يا أحمد ..أتكتمه؟عدني الا تخبر به أحدا)
نظر أحمد بشك ثم قال (أعدك)
اليوم تلقيت إشعارا أن أستعد خلال هذا الشهر ...)
(آه.. آه..آه..يا عامر ) ثم ضمه أحمد بشده وعيناه تغرقان بالدموع ....
توقفت الحافلة مرة اخرى عند المحطة ..
تصعد فتاة ورجلان ..تكمل الحافلة سيرها ..أحس عامر بنقباض في قلبه ..هذه الفتاة تجلس بجانبه ترتدي حجابا أبيض أحس بختناق يجب أن يفعل شيئا ..إنها تشبه هنا ابنة خالته ..أشياء كثيرة تتراكم في عقله ..ربما تنتظرها امها ليتناولا الغداء معا..ربما اخوتها الصغار ينتظرون عودتها لتقبلهم وتعطيهم الحلوى
انحى بلطف وسأل (عفوا آنستي هل تعرفين كم بقي على الوصول للمحطة الاخيرة )
تنظر ساعتها بعفوية ربما عشر دقائق
(وهل تسكنين في الحي اليهودي)
استغربت السؤال ولكنها اردفت ببساطه (كلا ولكني متجهة لسوق هناك لشراء بعض الحاجيات..
ابتسم ابتسامة صفراء وبداخله شيء يدق بعنف كلا يجب ان يفعل شيئا ..الحياة مبتهجة وهذه فتاة بعمر الزهور ترتدي خمارا ابيض كاخته وابنة خالته هناء احس انه سينهار تماما ..ربما تنكشف الخطة ربما سيحرق حيا وكل رجال الذين تركتهم يودعونك بالدموع والابتسامات وادعية تخرج من القلوب صافية ترتجف ...ربما يخذلهم ...ولكن لا هذه الفتاة لابد ان يفعل شيئا ..اشتعلت المعركة قليلا بين قلبه وعقله ..لم يعد هناك مجال ...انحى مرة اخرى وهمس(آنستي يجب ان تنزلي من الحافلة حلا وبهدوء)
دهشت الفتاة ورأت بريقا غريبا في عيني هذا الفتى الذي يرتدي قبعة صغيرة كقبعات اليهود...
شيء ما يصزخ فيها إنه ليس مهماً0.. حلقها حاف تماما ًًوأةصالها ترتعش (أختي إنني ادعوك باسم الأخوة التي بيننا ان تنزلي حالا وبسرعة ...شي ماء سيحدث قليلا..)
الفتاة لا تزال تحدق في عيني هذه الروح القابعة بجانبها ..وميض أبيض واشياء شفافة رأتها تحلق بين جنبيه تخاذلت قليلا على المقعد وبردت أطرافها ..ثم بسرعة اتجهت نحو السائق وهتفت بصوت خافت رهيب (لو سمحت انزلني هنا بالضبط ما اريد )ينظر إليها الركاب بدهشة ..وتمتمات امتعاض تعم المكان ...يصرخ السائق وهو يوقف الحافلة بعنف (انزلي عليك لعائن الله أيتها الفلسطينية ..أنا المخطئ إذا سمحت لك بالركوب )تتعثر خطواتها وهي تنزل من الحافلة تلامس أقامها الأرض ..تماسك تلتفت نحو حافلة تهتم بالمغادرة ..تلمح ابتسامة هادئة ترتسم على شفتي ملاك ..يجلس بين شياطين ..(يا ابني عامر متى انظر إلى أولاد صغار يتبعونك واضمهم ؟! يالله يابني متى أزغرد في فرحتك ؟
يضحك عامر ويقول بدهشة (صغار البط) يقبل يد أمه ويردف
(ماما أود أن انهي دراستي أولاً)
(أنت قلي من تريد فقط ..؟ والا أترك الأمر لي وأنا سأختار لك أحلى عروس في البلد)
يتصاعد الدم في وجه عامر المطرق إلى الأرض..يتذكر هنا وزهور اللافندر ...حنين وشوق ناحية ذكريات بعيدة
(امي كيف أفرح واليهود هنا )
(هذا قدرك يابني يكفيك جهادك كل يوم مع زملائك بالحجر)
(ماما قريبا ستغردين في فرحي قريبا جداً
يغادر البيت مسرعا وأمه تبتسم في فرح....
تقف الحافلة ...والسائق يهتف(هذه المحطة الأخيرة..تفضلوا بالنزول )يبدأ الركاب بالمغادرةوعامر ملتصق بالمقعد ..كان هو أخر شخص ...يمشي بخطوات وئيدة..بقي ربع ساعة ...يقترب من المكان يلمح ساعة مكتظة بأصحاب القبعات يندس بين الجموع ...لها انوف معقوفة ...يكاد يبصق على رؤوسهم..عيونه تلتهب ببريق غامض ...وعلى شفتيه بسمت انتصار ....ووجهه يزداد شحوبا وصدره فارغ سوى من دقات كبيرة يقترب ينظر إلى المحلات المتراصة على جوانب الساحة تختلج شفتاه وهو يشاهد زهو بنفسجه داخل محل لبيع الزهور ...لازالت شفتاه تحس برؤوس اخوته الصغار التي قابلها للتو ...عيناه لا تتحول عن زهور اللافندر ..أريجها يملئ قلبه ..ترتيل أخته الصغيرة يدوي في أذنيه يكاد يسمع أنشيدها تدوي في الساحة(بكرة راح نطرد يهود..دم الشهداء مابيعود..
دم الشهداء مابيعود)دمعات أحمد يمزق قلبه الآن ..بسمات أمه ..نظرات أبيه ...
يده تلمس الزر ..يتحسس صدره ..يشعر بقلبه خارجا..من صدره تماما يغمض عينيه ...شريط سريع يمر أمام عينيه المغلقتين ...
يمس وداعاأمي...أبي ...وداعا أحمد..وداعا يا كل الاطهار...
يفتح عينيه قليلا يلمح لحظة زهور اللافندر أمامه وشبح هنا يبتسم ...وداعا يازهور اللافندر..يضغط الزر ويتمزق صيحة (الله أكبر) يصاحبها جسد نحيل ... في كل مكان دم أحمر واشلاء تختلط بقبعات صغيرة ..و..و..وبتلات لافندر
تحياتي