انت غير مسجل في منتديات حبي - للتسجيل الرجاء اضغط هنــا






قصص واقعية -القصص - الروايات -قصص طويله قصص طويله ،قصص شخصيه،قصص ، روايات،قصص قصيره ،قصص مثيره ، قصص معبره ، قصص حقيقيه ، قصص الحب ،قصص رومانسيه





مواضيع جديده من قسم/قصص واقعية -القصص - الروايات -قصص طويله


مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ

"مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ" نوال مصطفى في هذا الكتاب: تبحر الكاتبة نوال مصطفى في أعماق قصة حياة الأديبة والمفكرة الفريدة مي زيادة ... وتكشف أسراراً كانت لا

إضافة رد
قديم 16-07-2010, 01:05 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
QuEeN oF fOrUmE

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 231635
المشاركات: 2,049 [+]
بمعدل : 1.44 يوميا
اخر زياره : [+]
نقاط التقييم: 5221
 

الإتصالات
الحالة:
Miss Bastoka غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

New مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ


اعلان

أسطورة, الحب, زيادة.., والنبوغ

"مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ"
نوال مصطفى

زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ
في هذا الكتاب:
تبحر الكاتبة نوال مصطفى في أعماق قصة حياة الأديبة والمفكرة الفريدة مي زيادة ... وتكشف أسراراً كانت لا تزال - حتى الآن – يكتنفها الغموض وتحيطها مساحة من الضباب! فهل أحبت مي؟ ومن هو صاحب قصة الحب الأسطورية في حياتها؟! هل أصيبت الأديبة - الظاهرة – مي بالجنون في أخريات أيامها أم كانت قصة مختلفة ومؤامرة خسيسة نسجت بذكاء لإغتيالها معنوياً ثم مادياً؟
لقد كانت مي زيادة صاحبة أشهر صالون أدبي في القرن العشرين .. وكان صالونها ملتقى أدباء وعمالقة الفكر في عصرها . وكانت مثقفة من طراز فريد.. تجيد ست لغات وتصل قامتها الأدبية إلى قامات كبار رجال الفكر في عصرها.
وهذا الكتاب إبحار عميق وترجمة صادقة لحياة مفكرة ورائدة تستحق أن تقرأ.


(اختير كتاب: " مي زيادة .. أسطورة الحب والنبوغ " في معرض الكتاب الدولي لعام 2000 كأفضل عمل ثقافي وتلقت نوال مصطفى هذا التكريم المشرف من الرئيس حسني مبارك في الإحتفال الذي يحضره كتاب ومفكرو مصر في بداية المعرض.)




إهداء......
إلى إنسانة أحببتها .. دون أن أراها ..!
إلى : مي ...

نوال مصطفى




تقديم


( مى زيادة ) شخصية فريدة في الأدب العربي . ربما كانت هي وأندريه شديد أعظم أديبتين .. ومى تكتب بالعربية وأندريه شديد تكتب روايات ومسرحيات وشعراً بالفرنسية. ومن الصعب أن تنظر إلى ( مى) أو تقترب منها دون أن يلسعك عذابها وتوجعك أحزانها وتشفق عليها.

فقد أحاطها وحاط بها أعلام الفكر والسياسة والأدب في زمانها. فكانت حيرتها : فكلهم يحبونها ويصارحونها بذلك . وهي لا تحب واحد منهم .. أو تدعي ذلك . فقد كان قلبها في مكان آخر . ولم تشأ أن تعترف . وقد ألقى بها الصراع العنيف في مستشفى الأمراض العقلية في بيروت. وإن كان رأيي أنها ولدت في مستشفى الأمراض العقلية فليس صالونها الأدبي الذي فتحته في سنة 1913 إلا إحدى غرف التعذيب في الأساطير الإغريقية القديمة..

وبعد أن نقرأ حياة ( مى) وأبعادها وأعماقها وأوجاعها يمكنك أن تتجه إلى ( مى) ذاتها .. مرآتها .. فتقرأ بقلمها وألمها .. ففي الحالتين سوف تجد ما يثيرك ويشغلك. فهذه الفتاة اكتوت مرتين بالنار : نار العزلة والانطواء والحرمان , ومرة ثانية بوهج أعظم المفكرين والشعراء في حياتها.. وقد واجهت كل هؤلاء وحدها وإنفردت بهم .. ثم إنفردت بنفسها تبكي حظها وموهبتها حتى إنهارت في النهاية وعادت إلى مصر وقد شابت وتحطمت وصارت رماداً للنجم الساطع : ( مى زيادة) الفلسطينية السورية اللبنانية المصرية , وحيدة الموهبة فريدة العذاب في لوحة حب وإعجاب وصدق بريشة نوال مصطفى!

بقلم : أنيس منصور



قبل أن تقرأ..
لماذا هذا الكتاب عن مي زيادة؟



تردد هذا السؤال داخلي أكثر من مرة , وفي أكثر من مرحلة من مراحل إنجاز هذا العمل.
لماذا أكتب عن مى الآن .. وبعد حوالي ستين عاماً على رحيلها عن دنيانا؟! لماذا أكتب عن مى بعد كل ما كتبته هي عن نفسها وكل ما كتبه الآخرون عنها ؟! وهل قصة مى زيادة في حاجة إلى من يرويها بعد أن اعتلت مكان القمة في الأدب العربي المعاصر .. وملأت بنبوغها سماء الفكر والثقافة طوال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي؟! هل هي في حاجة لمن يكتب عنها؟!
...

تراءت أمامي جملة موجعة كتبتها مى بخط يدها قبل الرحيل:
أتمنى أن يأتي بعدي من ينصفني!
إذن لا مفر!
سأكتب قصتك يا مي ؛.. وستقرؤها الأجيال التي لم تقرأ لك .. ولم تستمع إلى محاضراتك وخطبك وأحاديثك . سأكتب قصتك وأروي الحقيقة الحزينة ليعرفها الذين اختلطت ملامح صورتك في عيونهم وطالها الضباب.. بعد كل ما قيل عن نهايتك المأساوية.
سأكتب قصتك كما عشتها في كل ما خطته ريشتك.. في كل ما سكبه قلبك على الورق من آلام ووجع , وترجمه إحساسك وأناتك وعذابك المكتوم.. المكتوب!


***


وبدأت الرحلة الصعبة للإبحار داخل ذلك الزمن الجميل . زمن كان للفكر فيه هيبة.. وللأدب والثقافة إحترام وإجلال . وكان المبدعون هم صفوة المجتمع.. وليسوا رجال الأعمال! زمن كان الحدث الثقافي لا يقل في أهميته عن الحدث السياسي. والمعارك الأدبية تجد من القراء مالا تجده المعارك السياسية.

زمن مى .. والعقاد .. وطه حسين .. وجبران خليل جبران .. وأحمد شوقي .. وأحمد لطفي السيد .. ومصطفى صادق الرافعي .. وإسماعيل صبري .. وحافظ ابراهيم .. وخليل مطران.

زمن الإبداع والفكر والثقافة حينما ملأت أنواره نهايات القرن التاسع وبدايات القرن العشرين. زمن ارتفعت فيه هامات العبقريات المصرية في كل المجالات : الأدب .. الموسيقى .. الغناء .. الشعر .. الطب .. الهندسة .. زمن الابداع الكلي .. فالابداع لا يتجزأ .. وشعاعه يمتد ويسري في شرايين المجتمع.

وزمن مى هو ذلك الزمن الجميل .. وكانت هي زهرة هذا الزمان .. والمرأة الوحيدة التي تألقت وتفردت وسط باقة من العمالقة الرجال في عصر لم يكن مسموحا للمرأة بأن تخرج للحياة العامة. ولم يكن متاحاً لها أن تلتقى بالرجال في ندوات ثقافية أو ملتقيات أدبية.

كانت مى ظاهرة أدبية.. ثقافية .. أنثوية .. إنسانية! هكذا أراها .
ظاهرة أدبية.. لأنها كتبت بالفرنسية .. وترجمت عن الألمانية.. وعلمت نفسها اللغة العربية فقرأت القرآن والشريعة – رغم أنها مسيحية – وكتبت العربية بلغة هي مزيج فريد من كل اللغات التي أتقنتها وقرأت وكتبت بها.. ونستطيع أن نطلق عليها لغة مى أو مفردات وقاموس مى الخاص . فلأسلوبها هذه النكهة الخاصة جدا التي لا تجدها إلا في سطورها وصورها التعبيرية ومفرداتها.. ووصفها الدقيق للمشاعر الإنسانية التي تتميز به الآداب الأوربية.

وهي ظاهرة ثقافية .. لأن ثقافتها انفتحت على عدة لغات فقرأت بالفرنسية والألمانية والإيطالية والعربية .. وتنوعت قراءاتها في فروع الثقافة المختلفة : فلسفة .. أدب .. شعر .. فن تشكيلي .. موسيقى .. تراث .. آثار .. قرأت مى في كل هذا .. وبكل اللغات..!

وهي ظاهرة أنثوية .. لأنها صنعت من نفسها نموذجاً غير مسبوق بين نساء عصرها وحتى في الأجيال التي تلت جيلها . فقد كسرت حاجز التمييز بين الرجل المبدع والمرأة المبدعة.. التقت بمفكري عصرها ورواده من الرجال وحاورتهم وناقشتهم في كل القضايا الأدبية والفكرية بندية ومقدرة عالية. وذلك في صالونها الشهير الذي كان منارة إشعاع وثقافة في المجتمع المصري في ذلك الوقت.

وهي ظاهرة إنسانية .. لأن مى كما قالت عن نفسها تمثل النموذج " الأيدياليزم " في الحياة .. أي المثالي المفرط في افتراض حسن نوايا البشر . وهي ظاهرة إنسانية أيضاً لأن نشأتها الدينية المتزمتة في مدارس الراهبات أورثتها التزاماً دينياً أخلاقياً صارماً .. فلم تعرف تحرر العواطف كما عرفت تحرر الفكر والإبداع . ولم ير هذين الخطين بتواز داخلها . بل كثيراً ما اصطدما وتناقضا .. وتصارعا!

وهي ظاهرة إنسانية كذلك.. لأنها لم تعش حياة كاملة أبداً بل عاشت دائماً نصف حياة ! خافت من الحب.. وخافت أن يجرها إلى الخطيئة .. وفي نفس الوقت لم تجد القلب الحقيقي الذي يحتضن مخاوفها ويضمها بصدق .. وكان ذلك سبب كارثة حياتها.

وكان قدرها أن تصاحب الوحدة منذ طفولتها المبكرة .. ثم في نهايات أيامها المأساوية . وبينهما عاشت سنوات المجد والشهرة والتألق والنجاح .. سنوات عاشت فيها تحت الأضواء والناس من حولها . ورغم كل هذا كانت تعيش وحدة من نوع آخر .. وفراغ نفسي وعاطفي وروحي شديد القسوة.


***


لهذا أكتب عن مى .. أكتب قصتها ليس فقط من واقع ما قرأت لها وعنها .. ولكن من داخل كاتبة . امرأة تدرك معنى أن تكتب امرأة وأن تخرج عن الإطار المألوف والسائد والعادي! وفي مجتمع يسوده الرجال.. وتعرف كم تتضاعف معاناة هذه الكاتبة إذا كانت من الطراز " الأيدياليزم" الذي كانته مى!!

ولهذا كان هذا الكتاب.......


***


اخترت أن أبدأ فصول الكتاب بطفولة مى .. تلك الفترة التي أثرت على كل حياتها فيما بعد .. حيث ألحقها والدها إلياس زيادة الفلسطيني الجنسية بمدارس الراهبات الداخلية .. بعيداً عن دفء الوطن وحضن الأسرة . ولا أعرف لماذا كانت هذه القسوة التي زرعت مشاعر الوحدة والخواء العاطفي في قلب الصغيرة النابغة وهي لا تزال طفلة..!

ولدت مى أو ماري إلياس زيادة وهذا هو اسمها الحقيقي في مدينة الناصرة بفلسطين عام 1886 لأب لبناني ماروني وأم فلسطينية أرثوذكسية .. وقضت سنوات عمرها الأولى في مدارس داخلية في لبنان , ثم نزحت مع والدها ووالدتها إلى مصر في عام 1908 .. كان عمرها اثنين وعشرين عاماً .. فتاة في ريعان الشباب .. وظلت في مصر – التي كانت تعتبرها وطنها الأساسي- حتى توفيت في 18 اكتوبر عام 1941 .

ولذلك ظل شعور " اللامنتمية" يلازم هذه الكاتبة الفريدة.. فالأقطار الثلاثة التي تنتمي إليها : لبنان .. فلسطين .. مصر كل منها يفتخر بأنها واحدة من نوابغه .. لكن أحداً من تلك الأوطان لم يعطها ما تستحق من تكريم حتى الآن.

وكثيراً ما عبرت مى بقلمها عن هذه الغصة وتلك المرارة التي تشعر بها نتيجة لهذه الغربة الدائمة وعدم الانتماء . فكتبت في أحد مقالاتها ذات مرة تقول : " أين وطني"؟! ولدت في بلد , وأبي من بلد , وأمي من بلد , وسكني في بلد , وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد . فلأي هذه البلدان أنتمي , وعن أي هذه البلدان أدافع؟!

أما الفصل الثاني .. فيروى قصة قدومها إلى مصر مع والدها , والاستقرار فيها , وبداية التفاف كبار رجال الفكر حولها كظاهرة فريدة في الأدب العربي. ثم التقائها بأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد الذي احتضن نبوغها , وكان له الفضل في إقناعها بالكتابة باللغة العربية ودراسة الأدب العربي . وأهدى إليها القرآن الكريم ومجموعة من كتب الأدب لتبدأ مشوارها مع اللغة العربية قراءة وكتابة.

وساعدت مى التي كانت تُدرس اللغة الفرنسية لبنات صاحب جريدة " المحروسة" في بداية سنوات حياتها في مصر في تدعيم الثقة بين والدها وصاحب المحروسة.. وبعد فترة بسيطة تركها صاحب الجريدة لوالد مى إلياس زيادة ليكون صاحبها ورئيس تحريرها.
وهكذا بدأت عملها الصحفي في جريدة المحروسة من خلال باب ثابت كانت تكتبه تحت عنوان " يوميات فتاة" .

وفي الفصل الثالث .. تفاصيل ما كان يدور في صالون مي أشهر صالون أدبي في القرن العشرين .. وكيف وصف رواد الفكر والأدب والفن هذا الصالون.

الفصل الرابع.. نقرأ عن مشاهير الأدباء والشعراء الذين أحبوا مى.. وكيف أحبها كل منهم وعبر عن هذا الحب ومنهم : محمود عباس العقاد .. مصطفى صادق الرافعي .. إسماعيل صبري .. أحمد لطفي السيد .. أحمد شوقي .. وآخرون.

الفصل الخامس.. يرصد ويسجل موقف هؤلاء الرجال الذين أحبوها " لكنهم لم ينصفوها" . هؤلاء الذين انبهروا بسحرها الخاص .. ونسوا الإنسانة . والمبدعة فساهموا في إطفاء الشمعة التي كانت.

أما الفصل السادس .. فيروي تفاصيل قصة الحب الغريبة .. العجيبة التي لم يعشها في هذا الكون ربما إلا مى .. وجبران! فقد عاشا لمدة تسعة عشر عاماً من الحب والعذاب .. الاشتياق والحرمان .. اللقاء والفراق .. فقط على الورق!!


الفصل السابع .. يتحدث عن بداية المؤامرة التي وقعت في شباكها .. وكانت السبب في مأساتها .. والفصل الثامن يروي الأيام الأخيرة التي عاشتها في بؤس ثقيل .. وعزلة تامة .. وانسحاب من الحياة في صورة رفض لأي طعام أو شراب .. واستسلام كامل للموت!

والفصل التاسع .. يتضمن أهم ما كتبته مى من مؤلفات وكتب ومقالات .. ويحتوي على مقتطفات متنوعة مما كتبته.

كلمة أخيرة.. أود أن أقولها في حق هذه الكاتبة الفريدة . إن مى زيادة التي كانت مشحونة بحلم التنوير والتطوير ومأخوذة بالمعرفة. ومزودة بكنوز من تراثنا ومن الآداب العالمية في آن معاً .. نظلمها إذا أطلقنا عليها " عروس الأدب النسائي" كما وصفوها في زمانها . فلقد كانت مى مفكرة من طراز فريد يندر أن نجد مثيله بين الرجال!

والآن .. إليكم قصة مى . كما رأيتها بعين قلبي..!

يتبع...



زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ


ld .dh]m>> Hs',vm hgpf ,hgkf,y














 

اعلان
قديم 16-07-2010, 01:13 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
QuEeN oF fOrUmE

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 231635
المشاركات: 2,049 [+]
بمعدل : 1.44 يوميا
اخر زياره : [+]
نقاط التقييم: 5221
 

الإتصالات
الحالة:
Miss Bastoka غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

Love رد: مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ

الفصل الأول

طفولة مي


الليلة ترحل آخر الفتيات عن مدرسة الدير .. مدرسة عينطورة للبنات ببلدة شحتول في لبنان ..

الليلة ستقضي " ماري " ليلتها وحيدة .. سجينة هذه الجدران المتهجمة . ستقضي الفتاة الصغيرة ذات الأربعة عشر ربيعاً ليلة العيد حزينة .. بعيدة عن بيت أسرتها البعيد في مدينة " الناصرة " بفلسطين .

سوف تسافر ماري إلياس زيادة بخيالها ونبضات قلبها إلى حيث الدفء الساكن هناك في بيتها مع أمها التي تحبها كثيراً ووالدها الذي يغمرها بشلال من حنان .

لكن سرعان ما يصطدم الخيال بالواقع . وتجد ماري نفسها وسط ثليج الوحدة خاصة بعد رحيل آخر صديقاتها المقربات لقضاء أجازة العيد مع الأهل . وتهرب ماري من وحدتها وآلامها مع تسلل الصباح وشروق الشمس .. تلقى بنفسها وسط الحدائق الواسعة المحيطة بالدير .. مع أصدقائها الذين لا تمل صحبتهم أبداً هوجو , لامارتين , شاتوبريان ..

في هذا الوقت فقط ينبعث الدفء من جديد في أوصالها .. وتسري حرارة الحياة في وجدانها .. وعندما تعود إلى غرفتها بمدرسة الدير تكون قد امتلأت بمشاعر هؤلاء الأصدقاء , وغاصت في أفكارهم وأحلامهم . فتجلس .. وتكتب .

هكذا كانت طفولة ماري التي اختارت فيما بعد الحرف الأول والحرف الأخير من اسمها فقط ليكون اسمها الأدبي : " مي " طفولة قاسية.. في مدارس داخلية للراهبات . الأولى كانت مدرسة اليوسفيات في " الناصرة " حيث ولدت بفلسطين – وطن الأم – وكانت في السادسة من عمرها في ذلك الوقت . وبعدما أنهت دراستها الابتدائية في تلك المدرسة , ألحقها والدها بمدرسة الزيارة في " عينطورة " بلبنان حيث وطنه هو .. وهناك أحست الصغيرة بانتزاع الدفء والأمان لأول مرة .. وعاشت الوحدة والقلق اللذين لازماها حتى آخر العمر.

في مدرسة " الزيارة " أدهشت الفتاة الصغيرة مدرساتها بتفوقها في دروسها وحبها الشديد للشعر وقدرتها على دراسة اللغات , فقد أتقنت خمس لغات هي العربية , والفرنسية , والإنجليزية , والإيطالية , والألمانية .

ويبدو أن فترة الطفولة التي عاشتها ماري زيادة بين بيروت وفلسطين سيمتد تأثيرها على حياتها كلها بعد ذلك .. وستحفر بصماتها العميقة على تكوينها النفسي والإنساني بصفة خاصة.

فقد عاشت ماري سنوات الطفولة وبداية الشباب في مدارس الراهبات المعروفة بالشدة والحزم الذي يصل إلى حد القسوة أحياناً ..
عاشت معظم سنوات طفولتها وحيدة بعيداً عن أمها الفلسطينية نزهة المعمر , وأبيها اللبناني إلياس زيادة المدرس البسيط .. ولأنها طفلة موهوبة , خُلِقت تحمل صفات النبوغ والتفرد فقد حولت أحزانها وحرمانها منذ طفولتها المبكرة إلى غوص عميق في دروب الفكر والثقافة ورغبة غير محدودة في الاكتشاف والمعرفة.


تعلمت منذ البداية كيف تقهر مشاعرها , وتحاصرها .. وأمسكت بقوة لجام قلبها حتى لا يفلت من بين يديها . وينطلق صارخاً بآهاته وأناته .. بأحلامه وأوجاعه .

وفي الوقت الذي فعلت فيه ذلك بقلبها . أطلقت لعقلها كل الحرية لينطلق ويفكر ويحلل ويكتشف ويبحر . وهنا في رأيي مكمن مأساة ماري زيادة .. أو الآنسة مي التي احتلت مكانة لم تحتلها أديبة عربية أخرى في زمانها أو في الأزمنة التي تلته .. وحتى الآن .


الفجوة الرهيبة بين القلب والعقل ! الحصار المخيف .. والإنطلاق غير المحدد للفكر .. المحافظة الشديدة .. مع التمرد والتحرر على كل أنماط الفكر التقليدي . هكذا جمعت مي بين النقيضين .. ومن هذا التناقض الجوهري تولدت كل تناقضاتها الأخرى . وبسبب هذا الصراع الداخلي الرهيب انتهت حياتها المتوهجة بالفكر والنجاح والتألق لتلك النهاية المأساوية الحزينة .

قصتها.. قصة تراجيدية بكل ما تحمله الكلمة . قصة امرأة توهجت كالشمس كظاهرة فريدة في عصرها .. التف حولها كبار مفكري مصر والعالم العربي .. واحترم فكرها ونبوغها الأدباء والشعراء .. ووقع في حبها الكثيرون منهم .. وكان دائماً حباً من طرف واحد ! فقلب مي كان دائماً مغلقاً .. بإحكام في وجه الجميع !!

وكانت مي تعبر أحياناً في كتاباتها عن هذه المشاعر الحائرة فتقول : " ولدت في بلد وأبي من بلد وسكني في بلد وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد فلأي هذه البلاد أنتمي . إنما أريد وطناً لأموت من أجله أو لأحيا به ".

لقد كانت تجيب دائماً عند السؤال عن وطنها فتقول : " أنا فلسطينية .. لبنانية .. مصرية .. سورية " وهي في داخلها لا تعرف لأي البلاد تنتمي حقاً .. وانسحب هذا الشعور بعد ذلك على البشر وعلاقتها بالناس . فرغم الشهرة العظيمة التي حققتها وزحام الرجال من المفكرين والأدباء والمبدعين الغارقين في حبها .. إلا أنها لم تشعر بالانتماء إلى أي واحد منهم .. إلا واحد هو جبران خليل جبران .. الذي أحبته على الورق فقط ! من خلال الرسائل المتبادلة بينها من القاهرة .. وبينه من المهجر حيث كان يعيش في أمريكا !!

لا شك أن سنوات طفولة مي كانت بالغة التأثير في حياتها كلها بعد ذلك .. وربما كانت الجوانب الإيجابية أيضاً خلال تلك الفترة قوية وعميقة .. فقد أجادت مي اللغة الفرنسية إجادة تامة وحفظت الكثير من الأشعار الفرنسية خاصة أشعار الرومانسية مثل : لامارتين وديه موسيه , وتعلمت التمثيل والموسيقى والعزف على البيانو .. كما تعلمت ركوب الخيل ومارسته في وديان وسهول لبنان ..

وقبل أن نترك الحديث عن طفولة مي لا بد أن نذكر أنها فقدت شقيقتها الوحيد في طفولتها ... وكتبت لتعبر عن مشاعرها تجاه هذا الشقيق تقول :
" إلى العينين التي أطبقهما الموت قبل أن ألثمهما .. إلى الابتسامة التي لا أعرف منها إلا خيالاً .. إلى الاسم العذب الذي لا تهمس به شفتاي دون أ، تملأ عيني الدموع .. إلى الطفل الذي رحل إلى خالقه ويتم فيّ عاطفة الحب الأخوي الأخوي , فحرمني من حنو الأخ وقبلته وابتسامته ودمعته .. إلى أخي الوحيد الذي تقاسم الأثير والثرى !


***




تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها














 
 
قديم 16-07-2010, 01:15 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
QuEeN oF fOrUmE

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 231635
المشاركات: 2,049 [+]
بمعدل : 1.44 يوميا
اخر زياره : [+]
نقاط التقييم: 5221
 

الإتصالات
الحالة:
Miss Bastoka غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

Love رد: مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ

الفصل الثاني

مي ... في مصر



ما أن انتهت مي من كلمتها في الاحتفال المهيب حتى ضجت القاعة بالتصفيق .. وكادت جدران المكان تهتز من حرارة التأثر وشدة إعجاب الحاضرين بنبوغ وتألق وسحر إلقاء وبلاغة الخطيبة الصغيرة.

كان ذلك في احتفال أقامته الدولة برعاية الخديوي عباس لتكريم الأديب الكبير خليل مطران . وبعث الكاتب المهاجر إلى أمريكا جبران خليل جبران بكلمة ليلقيها أحد الأدباء نيابة عنه في هذه الأمسية الهامة .. والتي أقيمت في الجامعة المصرية في ابريل عام 1913 بمناسبة الإنعام عليه بالوسام المجيدي الثالث ..

قرأت مي كلمة جبران بأسلوب جعل من كل كلمة نبضة تطرق قلوب مستمعيها ومن كل سطر ومضة تلمع في عقول الحاضرين فتحفز عقولهم لتتأمل وتحاور ذلك الفكر الفريد .


***


خرج الحاضرون جميعاً من الاحتفال لا يذكرون إلا اسماً واحداً هو " مي " صاحبة الصوت العذب والإلقاء المعبر عن كل كلمة , والفكر الرصين العميق الذي ظهر بوضوح في تعقيبها على كلمة جبران خليل جبران بعد أن انتهت منها .

ومنذ تلك الليلة في عام 1913 بدأت خيوط الشهرة تنسج حروف هذا الاسم الذي لم يكن معروفاً بهذا الاتساع والانتشار من قبل . وبدأ الجميع يتساءلون عن هذه الأديبة الشابة .. التي تتمتع بجمال الشكل وجمال الروح .. وروعة العقل وعذوبة الصوت معاً!!.

من هي ؟!

ومع هذه الأسئلة الكثيرة تكونت صورة هذه الفتاة .. وعرف الجميع حكايتها.

عرفوا أنها جاءت مع والدها المدرس المغمور إلياس زيادة من لبنان وأمها نزهة معمر وهي فلسطينية الجنسية . جاءوا إلى مصر بحثاً عن فرصة عمل في الصحافة كان يبحث عنها الأب .. ورحل إلى مصر مصطحباً عائلته وراء هذا الأمل .

كان ذلك عام 1908 .. وكانت مي في ذلك الوقت في الثانية والعشرين من عمرها . شابة مليئة بالحيوية والحماس .... تعشق الكتابة والصحافة , تجيد اللغة الفرنسية إجادة تامة , ثقافتها رفيعة , قرأت لأشهر الكتاب العالميين كما قرأت لابن الفارض والمعري والمتنبي .

وبدأت الصغيرة تبحث عن عمل مناسب لإمكاناتها المتميزة .. تستطيع من خلاله أن تساعد والدها في بداية حياته الجديدة في مصر . وكان والدها في ذلك الوقت قد تعرف على إدريس راغب باشا صاحب جريدة المحروسة .. وعمل معه في الجريدة .. وفي نفس الوقت قامت مي بتدريس اللغة الفرنسية التي تجيدها لابنتي إدريس باشا .

اقتربت مي من عائلة إدريس راغب باشا وتوطدت علاقتها بها من خلال الصداقة العميقة التي نشأت في ذلك الوقت بينها وبين ابنتي إدريس باشا .. وبعد فترة منح الباشا جريدة " المحروسة " لإلياس زيادة .. تقديراً لهذه الصداقة الغالية واعترافاً بفضل مي في تعليم بناته.



وفجأة تبدل حال العائلة ! من الفقر إلى اليسر المادي . كما انتعشت صلات إلياس زيادة وزوجته وابنته وتوطدت بالوسط الثقافي في القاهرة ... وبدأت مي بالكتابة في جريدة المحروسة . واختارت اسم " يوميات فتاة " عنواناً لباب ثابت كانت تحرره في " المحروسة " . كانت تختار الموضوعات الحية التي يتجادل بشأنها الناس وتدفع بآرائها الحكيمة والجرئية في آن معاً . فارتبط بها القراء , وراحوا يبحثون عن كتاباتها التي كانت تمثل فكراً جديداً في مجتمع مغلق خاصة بالنسبة لنساء عصرها .

وكتبت مي ديوان شعر بعنوان "زهرات حلم " باللغة الفرنسية .. وكان هذا الديوان أول إنتاج أدبي لها أصدرته باسم مستعار هو " إيزيس كوبيا " وليس باسم مي . كان ذلك عام 1911 .. أي بعد ثلاث سنوات من إقامتها بمصر .

وبدأت أنظار عمالقة الأدب والفكر في ذلك الوقت تتجه إلى هذه الكاتبة الصغيرة التي أعلنت منذ بداياتها عن موهبة فريدة . تحمس لها أحمد لطفي السيد ويعقوب صروف صاحب مجلتي المقتطف والمقطم , وشجعاها على التزود في دراسة اللغة العربية والخط العربي والقرآن الكريم .

وأطاعت التلميذة الصغيرة الأساتذة الكبار .. فقرأت بدأب , وعكفت على دراسة الفلسفة الإسلامية واللغة العربية والتحقت بالجامعة المصرية الأهلية لمدة ثلاث سنوات من عام 1911 حتى 1914 . وأثناء هذه الفترة كتبت مي في العديد من المجلات المعروفة إلى جانب مجلة " المحروسة " . كتبت في مجلة "المقتطف" و " السياسة الأسبوعية " و " الهلال " و " المرأة الجديدة " وغيرها .

وابتكرت مي باباً جديداً في الصحافة المصرية عندما طلبت منها جريدة السياسة الاسبوعية الكتابة فيها . أطلقت عليه اسم " خلية نحل" . كانت تتلقى أسئلة القراء والقارئات وتصيغها صياغة صحفية سليمة .. ثم تطلب من القراء جميعاً أن يشاركوا في الإجابة عن الأسئلة .. وتتلقى إجابات القراء .. وتختار أفضلها ثم تصيغها وتنشرها.

جذب هذا الكتاب القراء وارتبطوا بها وبالجريدة .. وكانت سعيدة بتحرير هذا الباب لأنه يقربها من أفكار الناس . وأحلامهم وآلامهم . آرائهم واختلافاتهم .وكانت تجد في هذا كله مادة حية غنية وحقيقية استعانت بها في فهم الكثير من أمور الحياة .. واستلهمت بعض الأفكار الجيدة فكتبت عنها في مقالاتها بعد ذلك آراء وتحاليل عميقة .


وفي عام 1922 قدمت جريدة "الاهرام" لها شقة من مبانيها القديمة بشارع علوى تقديراً لظروف معيشتها البسيطة حيث كان دخلها من الكتابة وصحيفة " المحروسة" ليس بالقدر الذي الذي يسمح لها بالسكن بشقة في وسط البلد .

وكتبت مي في الاهرام مقالات هامة .. أحياناً تكتب المقال الافتتاحي للجريدة .. وأحياناً مقالات في صفحة المرأة .

وفي هذه الشقة بدأت " مي" إقامة أول صالون ثقافي أدبي دعت إليه بعد الكلمة التي ألقتها في الجامعة المصرية بالنيابة عن جبران خليل جبران في مناسبة تكريم الشاعر خليل مطران والكلمة البديعة التي عقبت بها على كلمة أديب المهجر جبران.

بعدها.. وعندما لمست تعلق القلوب والعقول بها أعلنت في تلك الليلة دعوتها لجميع الحضور للاجتماع في بيتها كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع . وكانت هذه اللحظة من ليلة 24 إبريل عام 1913 مولداً لصالون مي .

يتبع...




تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها














 
 
قديم 16-07-2010, 01:17 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
QuEeN oF fOrUmE

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 231635
المشاركات: 2,049 [+]
بمعدل : 1.44 يوميا
اخر زياره : [+]
نقاط التقييم: 5221
 

الإتصالات
الحالة:
Miss Bastoka غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

Love رد: مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ

الفصل الثالث



صالون .. مي


كانت مي فتاة جميلة .. جمالها شرقي يرتدي مسحة من أخيلة الغرب .. وكانت جاذبيتها ليست في جمالها فحسب .. بل في عقلها الذي كان يبهر عمالقة الفكر والأدب في هذا العصر . ومنهم الدكتور طه حسين والمفكر عباس محمود العقاد والكاتب مصطفى صادق الرافعي وخليل مطران وأحمد لطفى السيد وعدلي يكن وغيرهم كثيرون.

كانت في عيونهم جميعاً شعاعاً جميلاً .. يتدفق فكراً وأدباً وثقافة مع لطف في الأخلاق وأسلوب مهذب .. أنيق في الترحيب والاستقبال .. فكان بيتها ملاذاً للجميع لا تحت تأثير مشاعرهم التي تحركت نحوها .. بل أيضاً تحت تأثير هذا الجو العقلي الذي كان من النادر جداً وجوده عند غالبية نساء ذلك الزمان .

كان عصر الحجاب .. حجاب الوجه وحجاب التقاليد الاجتماعية الصارمة خاصة تجاه المرأة وخروجها العام إلى المجتمع . وكانت مي التي نشأت في الاوساط المارونية ذات الثقافة الأوربية مختلفة تماماً عن صورة المرأة الشرقية في هذا الوقت .. فجذبت العقول كما جذبت القلوب .

وكانت مي الفتاة الشابة القادمة من لبنان هي الوحيدة في عصرها التي استطاعت أن تحرر فكرها وحياتها من أسلوب الحياة السائد بين النساء في ذلك الوقت في مصر.

ولكن كيف ولدت فكرة الصالون في خاطر مي ؟

تأثرت مي بتجربة شهيرة في مطلع النهضة الأوربية خاصة في عصر لويس الرابع عشر في فرنسا حيث كان صالون مدام ريكاميه .. وكانت سيدة على جانب كبير من العلم والذكاء جعلت من إحدى غرف بيتها منتدى لتحريك الأفكار وتبادل الرؤى الثقافية والفكرية وعرفت هذه الغرفة بـ " الغرفة الزرقاء" . كما كان هناك صالون آخر شهيراً هو صالون مدام دوستايل .

وتأثرت مي كثيراً بصالون مدام دوستايل من حيث اهتمام مناقشاته وندواته بالتراث العالمي كله , فقد كانت مي تتقن عدة لغات قراءة وكتابة .



لم يكن هذا هو السبب لوحيد الذي دفع بالفكرة إلى رأس مي .. بل جاء الإيحاء من أستاذها أحمد لطفي السيد الذي كان من أهم الذين تأثرت بهم مي , وتتلمذت على أفكارهم وطاعت نصائحهم . والتأثير الأكبر الذي أحدثه أحمد لطفي السيد في حياة مي هو تشجيعها على دراسة اللغة العربية وإتقانها وكذلك قراءة القرآن والفقه الإسلامي , وهذا ما شجعها على الكتابة باللغة العربية بعد أن كانت تكتب فقط باللغات الأجنبية التي تجيدها . وكان أول ديوان لها باسم " زهرات حلم" باللغة الفرنسية.


ويبدأ في مايو 1913 أشهر صالون أدبي شهده القرن العشرون صالون مي .. ليكون ملتقى كبار مفكري وأدباء وفناني مصر وسوريا وكبار الأدباء الأوربيين الزائرين لمصر .

كيف كان شكل صالون مي؟.. ماذا كان يدور في أمسيات الثلاثاء الفريدة ؟ كيف كانت نجمة الأدب والفكر تشرق بذكائها ونبوغها خلال تلك الأمسيات .. وكيف كانت تخلب عقول وقلوب كبار مفكري عصرها ؟ ماذا لو أدرنا عجلة الزمن لنعود إلى الزمن الجميل . ونستمع إلى ضيوف مي من عمالقة الفكر والأدب وكيف وصفوا هذا الصالون الأدبي الفريد..

•يصف الكاتب اللبناني سليم سركيس صالون مي فيقول :

مساء كل ثلاثاء يتحول منزل إلياس أفندي زيادة صاحب جريدة " المحروسة" إلى منزل فخم في باريس .. وتتحول مي التي لا تزال في العقد الثاني من عمرها إلى مدام دوستايل , أ, ولادة بنت المستكفي , أو وردة اليازجية في شخص ومدارك الآنسة مي , ويتحول مجلسها إلى فرع من سوق عكاظ , وتروج المباحث العلمية والفلسفية والأدبية في مجلس يحضره إسماعيل صبري , وشبلي شميل , وخليل مطران , وأحمد زكي اشا . هؤلاء جميعاً يهزون بأحاديثهم ومناقشاتهم أغصان شجرة ذات ثمر . ويحركون وردة ذات أريج , والآنسة مي بينهم تناقش هذا , وتدافع عن ذاك..

•ويصفها المفكر الكبير محمود عباس العقاد فيقول:

كل ما تتحدث به مي ممتعا كالذي تكتبه بعد روية وتحضير , فقد وهبت ملكة الحديث في طلاوة ورشاقة وجلاء , ووهبت ما هو أدل على القدرة من ملكة الحديث وهي ملكة التوجيه وإدارة الحديث بين مجلس المختلفين في الرأي والمزاج والثقافة والمقال , فإذا دار الحديث بينهم جعلته مي على سنة المساواة والكرامة وأفسحت المجال للرأي القائل الذي ينقضه أو يهدمه وانتظم هذا برفق ومودة ولباقة ولم يشعر أحد بتوجيه الكلام منها , وكأنها تتوجه من غير موجه , وتنتقل بغير ناقل وتلك غاية البراعة في هذا المقام.

•ويتحدث عميد الأدب العربي طه حسين ن ذكرياته في صالون مي .. فيقول :

كان الذين يختلفون إلى الصالون متفاوتين تفاوتاً شديداً فكان منهم المصريون على تفاوت طبقاتهم ومنازلهم الاجتماعية وعلى تفاوت أعمارهم , وكان منهم السوريون ومنهم الأوربيون على اختلاف شعوبهم وكان منهم الرجال والنساء وكانوا يتحدثون في كل شيء ويتحدثون بلغات مختلفة وبالعربية والفرنسية والانجليزية خاصة .

ولكن كيف وأبن بدأ أهم وأشهر صالون أدبي في القرن العشرين .. صالون مي ؟

كانت البداية في الحفل الكبير الذي أقيم في بهو الجامعة المصرية لتكريم الشاعر خليل مطران بمناسبة الإنعام عليه بوسام رفيع .. وبعد أن ألقت مي كلمة الكاتب المغترب جبران خليل جبران نيابة عنه . خطفت القلوب واستأثرت على العقول .. وبعد أن عقبت على كلمة جبران . اشتعل حماس الجمهور لهذه الأديبة الشابة .. وصارت منذ تلك اللحظة حديث الناس.

في هذه الليلة دعت مي الحاضرين إلى الصالون الأدبي الجديد الذي قررت أن تقيمه في بيتها مساء كل ثلاثاء . في بيتها بشارع مظلوم وهكذا بدأ صالون مي الذي استمر لفترة طويلة حوالي ربع قرن يجمع عمالقة الفكر والثقافة والسياسة والأدب .. وتدور في أمسياته أعمق وأغنى المناقشات والحوارات .. ويتبارى الكتاب والشعراء والفلاسفة في عرض أفكارهم وثقافاتهم ورؤاهم المختلفة .. وتحول هذا الصالون إلى منبر قوي يدعم تيار الفكر والثقافة الذي كان مزدهراً في ذلك الوقت , ويسهم بدور هام في تحريك الأفكار وشحذها وتفاعلها الايجابي فأثرت الحياة الأدبية في مصر وغيرها من بلاد العالم العربي.

وكان المترددون على ندوتها يتحدثون في شتى الموضوعات الفكرية والأدبية . يتكلمون بالعربية أو بغيرها من اللغات الأجنبية , أما مي فكان حديثها دائما باللغة العربية الفصحى .

ووصف العقاد الأحاديث التي كانت تدور في ندوة مي بقوله : لو جمعت هذه الأحاديث لتألفت منها مكتبة عصرية تقابل مكتبة " العقد الفريد " و " مكتبة الأغاني " في الثقافتين الأندلسية والعباسية .

ورأى هؤلاء المفكرون في مي الشخصية الفريدة التي جمعت بين الثقافة الرفيعة والأخلاق الفاضلة فازدادوا إيماناً بضرورة تعليم الفتاة وتشجيعها على الثقافة وصقل الذات بالمعرفة .

وأطلق عليها أدباء ومفكرو عصرها العديد من الألقاب منها : الأديبة .. النابغة .. فريدة العصر .. ملكة دولة الإلهام .. حلية الزمان .. الدرة اليتيمة .. وغيرها من الألقاب التي تعكس قدر الاحترام والإجلال اللذين حظيت بهما مي من كتاب عصرها.

ولكن ورغم كل هذا التوهج واللمعان في سماء الفكر والأدب .. هل كانت أديبتنا النابغة سعيدة ؟ هل أضاءت تلك الشمس المشعة حياتها .. أم أشرقت فقط في حياة الآخرين ؟! واحترقت هي ؟! هذا ما سوف نعرفه في الفصول القادمة ..!
يتبع..


تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها














 
 
قديم 16-07-2010, 01:28 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
QuEeN oF fOrUmE

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 231635
المشاركات: 2,049 [+]
بمعدل : 1.44 يوميا
اخر زياره : [+]
نقاط التقييم: 5221
 

الإتصالات
الحالة:
Miss Bastoka غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

رد: مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ

الفصل الرابع



الذين أحبوا " مي "


قضبان النوافذ في السجن تنقلب أوتار قيثارة لمن يعرف أن ينفث في الجماد حياة . هكذا كتبت مي في إحدى مقالاتها وهكذا كانت هي في حياتها القصيرة بقياس الزمن . الغنية .. العميقة بقياس القيمة والآثار الباقية.

ولعل معظم الرجال الذين التقوا بها سواء مباشرة أو عن طريق القلم والأوراق .. أحبوها ! واختلفت ملامح تلك العواطف وطرق التعبير عنها باختلاف شخصية كل منهم .. ودرجة اقترابه من فهم شخصية مي و تركيبتها الفكرية والإنسانية .

وأغرى هذا الجانب الهام من حياة مي الكثير من الكتاب والباحثين للغوص في تفاصيله ودقائقه وصولاً إلى الحقيقة وإجابة للسؤال الحائر :

من هو الرجل الحقيقي في حياة مي ؟ أو من هو الذي فاز بقلب مي وسط كل هؤلاء الرجال المحترمين ؟


هل هو العقاد ؟ هل هو ولي الدين يكن ؟ هل كان مصطفى صادق الرافعي ؟ هل كان أنطون الجميل ؟ أم خليل مطران ؟ هل كان أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد أم الشاعر أحمد شوقي أمير الشعراء ؟ هل كان الشاعر إسماعيل صبري أم الشيخ مصطفى عبد الرازق , هل كان هو الدكتور طه حسين أم الشاعر جبران خليل جبران ؟

كثير من أعلام عصرها نسجت حولهم القصص والحكايات تربط بينها وبين كل منهم . وأطلق الناس لخيالهم العنان ليختلقوا العديد من قصص الحب في حياة مي . وكان الكثير منها من وحي الخيال والقليل منها حقيقي .

يقول الكاتب مارون عبود : كل من رأى مي , وكل من شهد مجلسها أحبها . أما هي فظلت كسنديانة صامدة وكالجبل ما يهزه ريح .

كان الكاتب المفكر عباس محمود العقاد .. وهو من ألمع مفكري عصره لا ينكر حبه لمي , وقد لمح له كثيراً في روايته سارة وأعطى مي اسماً مستعاراً هو هند . وعرفها العقاد في البداية عن طريق مقالاتها في الصحف ثم من كتبها . وبدأت علاقتهما بالخطابات هو من أسوان بلدته التي يقيم بها قبل استقراره في القاهرة .. وهي من القاهرة حيث استوطنت مصر بعد قدومها من لبنان بصحبة والديها.

وعندما عاد العقاد من أسوان سارع بزيارة مي يملؤه الشوق والحنين إلى تلك الشخصية التي فتنته قبل أن يراها !

وتقارب الأديبان : العقلان والقلبان . لكن حب العقاد لمي كان مختلفاً عن حب مي للعقاد . كان العقاد يؤمن بطوفان المشاعر وتوحد الحبيبين نفساً وروحاً وجسداً .. وكانت مي تؤمن بالحب الصافي , السامي .. العفيف الذي يرتفع عن رغبات الجسد ويسمو إلى عالم الروحانيات وصداقة الفكر.

ولا شك أن العقاد احترق بحب مي في صمت والدليل على ذلك قصائده الكثيرة إليها التي تحمل كل مشاعر الحب والتتيم بها .

ويقول الكاتب عبد الفتاح الديدي : يبدو أن هذه الفتاة لعبت أخطر دور في حياة العقاد لأنها أعطته السعادة ومالم يكن يخطر له على بال , ولكنها وقفت أمامه نداً لند وناوأت رجولته وسطوته وكبرياءه . وصدمت أحلام العقاد بفرديتها واستقلالها وشبابها المتأنق المدرك لأصول العلاقات.

وسئل العقاد مرة كيف كان يجمع بين حبين في وقت واحد: حب مي وحب سارة؟ فأجاب عن هذا السؤال قائلاً : إذا ميّز الرجل المرأة بين جميع النساء فذلك هو الحب .. وقد يميز الرجل امرأتين في وقت واحد .. لكن لا بد من اختلاف في النوع , أو في الدرجة, أو في الرجاء , فيكون أحد الحبين خالصاً للروح والوجدان , ويكون الحب الآخر مستغرقاً شاملاً للروحين والجسدين .. أو يكون أحد الحبين مقبلاً صاعداً , والحب الآخر آخذاً في الإدبار والهبوط . أما أن يجتمع حبان قويان من نوع واحد في وقت واحد فذلك ازدواج غير معهود في الطباع , لأن العاطفة لا تقف ولا تعرف الحدود .. وإذا بلغت العاطفة مداها جبَّتْ ما سواها .

ويصف العقاد في روايته " سارة" طبيعة علاقته بمي دون التصريح باسمها .. بل اختار لها اسماً مستعاراً هو : هند . فيقول : كان يحبها الحب الذي جعله ينتظر الرسالة أو حديث التليفون كما ينتظر العاشق موعد اللقاء , وكانا كثيراً ما يتراسلان أو يتحدثان , وكثيراً ما يتباعدان ويلتزمان الصمت الطويل إيثاراً للتقية واجتناباً للقال والقيل وتهدئة من جماح العاطفة وإذا خافا عليها الانقطاع.

ولكنهما في جميع ذلك كانا أشبه بالشجرتين منهما بالإنسانين يتلاقيان وكلاهما على جذوره , ويتلامسان بأهداب الأغصان , أو بنفحات النسيم العابر من هذه الأوراق إلى تلك الأوراق .

كانا يتناولان من الحب كل ما يتناوله العاشقان على مسرح التمثيل , ولا يزيدان . وكان يغازلها فتومئ إليه بإصبعها كالمنذرة المتوعدة , فإذا نظر إلى عينيها لم يدر أتستزيده أم تنهاه , ولكنه يدري أن الزيادة ترتفع بالنغمة إلى مقام النشوز .

وكان يكتب لها فيفيض ويسترسل , ويذكر الشوق والوجد والأمل , فإذا لقيها بعد ذلك لم ير منها ما ينم عن استياء , ولم يسمع منها ما يدل على وصول الخطاب , وغنما يسمع الجواب باللحن والإيماء دون الإعراب والإفصاح .

وربما تواعدا إلى جلسة من جلسات الصور المتحركة في مكان لا غبار عليه , فيتحدثان بلسان بطل الرواية وبطلتها , ويسهبان ما احتملت الكناية والإسهاب , ثم يغيران سياق الحديث في غير اقتضاب ولا ابتسار .

وكانا أشبه بالنجمين السيارين في المنظومة الواحدة , لا يزالان يحومان في نطاق واحد , ويتجاذبان حول محور واحد , ولكنهما يحذران التقارب .. لأنه اصطدام ؟



ولم تكن هي لتعتقد الرهبانية فيه , ولا تزعم بينها وبين وجدانها أنه معزول عن عالم النساء . غير أنها لم تكن تحفل اتصاله بالنساء ما دام اسمهن نساء , لا يلوح من بينهن اسم امرأة واحدة , وشبح غرام واحد . فإن اسم النساء في هذه الحالة لا يدل على معنى , ولا انتقاص فيه لما بينهما من رعاية واستئثار.

كانت الخطابات المتبادلة بين مي والعقاد ثروة أدبية .. فكرية .. إنسانية ودليل في نفس الوقت على رابطة متينة قوية بين الطرفين .
يحدثنا أحمد حسين الطهاوي عن ذلك في كتابه : " غرام مي وجبران بين الحقيقة والخيال " .. فهو يلاحظ في رسائلها الغرامية إلى جبران أنها كانت تعيش شبه حالة حب مع عباس محمود العقاد استناداً إلى رسائل اكتشفها طاهر الطناحي وتقول في إحداها :
وكانت مؤرخة في 20 أغسطس ( آب) 1925 :

إنني لا أستطيع أن أصف لك شعوري حين قرأت القصيدة التي أرسلتها لي , وحسبي أن أقول لك أن ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان .

بل إنني خشيت أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد , منذ أول مرة رأيتك فيها بدار جريدة " المحروسة" . إن الحياء منعني , وقد ظننت أن اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك . والآن عرفت شعورك , وعرفت لماذا لا تميل إلى جبران خليل جبران .. لا تحسب إنني اتهمك بالغيرة من جبران , فهو في نيويورك لم يرني ولعله لن يراني , كما أنني لم أراه إلا في تلك الصور التي تنشرها الصحف .

سأعود قريباً إلى مصر , وستجمعنا زيارات وجلسات أفضي فيها لك بما تدخره نفسي , ويضمه وجداني , فعندي أشياء كثيرة أقولها لك .

وفي قصة " سارة" التي كتبها العقاد .. وروى فيها حبه لامرأتين هما " سارة " و"هند" .. وصفها فقال : إحداهما حولها نهر يساعد على الوصول إليها .. والأخرى حولها نهر يمنع من الوصول إليها وكان يقصد بالأخرى مي .

وقال العقاد عن مي ذات مرة :

لقد كانت متدينة تؤمن بالبعث .. وأنها ستقف بين يدي الله يوماً , ويحاسبها على آثامها , فكانت برغم شعورها بالحياة, وإحساسها العمق الصادق , وذكائها الوضاء , وروحها الشفافة , ورقتها وأنوثتها تحرص على أن تمارس هذه الحياة بعفة واتزان .

وكتب العقاد في مي العديد من القصائد التي تظهر بوضوح ذلك الحب الذي ملك وجدانه .. حبه لمي . ومنها قصيدة بعث بها إليها في روما حيث كانت تقضي أجازة صيف عام 1925 . وخلال تلك الفترة تبودلت الرسائل بينهما كلها تنم عن شوق مكبوت من الطرفين ..
يتبع...


تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها














 
 
قديم 16-07-2010, 01:30 AM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
QuEeN oF fOrUmE

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 231635
المشاركات: 2,049 [+]
بمعدل : 1.44 يوميا
اخر زياره : [+]
نقاط التقييم: 5221
 

الإتصالات
الحالة:
Miss Bastoka غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

رد: مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ

مي .. ولطفي السيد


كان أستاذ الجيل أحمد لطفي شغوفاً بالأدب العربي وكان محامياً .. وتولى رئاسة تحرير جريدة " الجريدة" لعدة سنوات .. وكانت بداية معرفته بمي في لبنان . كان يقضي أجازة الصيف في بيروت وكانت هي هناك مصادفة . وبينما كان يتناول عشاءه في الفندق .. لمح بالغرب منه فتاة شرقية الملامح تتحدث بفرنسية طلقة مع قنصل فرنسا في مصر , وتدافع عن المرأة الشرقية وحقوقها بحماس.

لفتت نظره هذه الفتاة فسأل صديقه الذي كان بصحبته

من هذه الفتاة ؟

فأجابه خليل سركيس :
إنها ماري زيادة بنت الصحفي المعروف إلياس زيادة صاحب جريدة " المحروسة " .. وبعد أن انتهت مقابلة مي مع القنصل تقدم إليها خليل سركيس الذي كان يعرفها شخصياً .. وقدمها إلى أحمد لطفي السيد .

وبدأ اهتمام أحمد لطفي السيد بمي .. كما قدرت مي هذا الاهتمام وتلك الرعاية تقديراً كبيراً . فأهدت إليه كتابها " ابتسامات ودموع" عندما عادت إلى مصر .. وعاد هو كذلك وكان الكتاب ترجمة لرواية ألمانية .



وتابع أحمد لطفي السيد مقالاتها التي كانت تكتبها في جريدة والدها " المحروسة" تحت عنوان " يوميات فتاة" . ولاحظ لطفي السيد أن أسلوب مي متأثراً كثيراً بثقافتها الغربية , فوجهها إلى الاهتمام باللغة العربية , ونصحها بقراءة الأدب العربي .

وذات يوم التقت به في إحدى الجلسات فقال لها :

لا بد لك يا آنسة من تلاوة القرآن الكريم , لكي تستفيدي من بلاغة معانيه , وفصاحة أسلوبه .

فقالت له مي :
ليس عندي نسخة من القرآن .

فقال لها :

أنا أهدي لك نسخة منه !

وبعث إليها الاستاذ لطفي السيد في اليوم التالي نسخة من القرآن الكريم مع كتب أخرى في الأدب العربي.

وتعترف مي بفضل لطفي السيد عليها فتقول :

ابتدأت أفهم من لطفي السيد اتجاه الإسلوب العربي , وما في القرآن من روعة جذابة ساعدتني على تنسيق كتابتي ورقي أسلوبي.

وتبادلت مي مع أستاذها لطفي السيد الرسائل الأدبية التي احتوت آراء وخواطر وأشجان كل منهما .. كما تخللتها الكثير من العواطف النبيلة والمشاركة الوجدانية الحقيقية .

في 15 مايو 1913 كتب إليها من مصيفه بالإسكندرية خطاباً جاء فيه :

جاءني كتابك , فتشممته ملياً , وقرأته هنيئاً مريئاً , وإني ممتنع نهائياً عن أشرح لك العواطف. وكل ما يأذن لي تهيبك أن أبوح به هو أني من الصباح إلى هذا المساء وأنا وحدي , فلم أستطع أن أمسك القلم , لأجيب عليه بصراحتي العادية , فما وجدت بداً من الركون إلى أسلم الطرق , وهو أن أحفظ لنفسي وصف الاغتباط الذي نالني من هذا الكتاب.

اعترفي بأنك كنت في ساعة من ساعات تجلياتك حين كتبت لي هذه الرسالة , ان فيها أفكاراً ومرامي ذات وزن كبير , وفيها مقاصد ومعان تكاد تطير من خفتها , أو تذوب من رقتها . أجناية أن أتحدث بهذه السابغة ؟!! إلا أن للأرواح أيضاً غذاء يتنزل عليها من مكان أسمى من مكانها العادي , وهزة تأخذها حين تتقابل جاذبيتها . لعل ذلك هو سر السعادة الإنسانية التي يلتمسها الناس , فلا يعرفون طريقها .

وكانت مي سعيدة باهتمام أستاذها أحمد لطفي السيد , فحافظت على علاقتها به ودعمتها بكل المودة والاحترام والاهتمام .. وكانت تستقبله مع أصدقائها المقربين في غير أوقات الصالون.

ودامت هذه العلاقة قوية .. حقيقية تجمع بين أستاذ وأديبة موهوبة .. تحمل له العرفان بالجميل والاحترام والمحبة .


مي .. ومصطفى صادق الرافعي


عاش الكاتب الكبير مصطفى صادق الرافعي قصة حب كبيرة مع مي زيادة .. لكنها كانت قصة حب من طرف واحد هو مصطفى الرافعي !

فقد احترق الرافعي حباً وهياماً بمي وتوهم أن مياً تحبه وهو مالم يكن صحيحاً.

ولكن هذا الحب الكبير أنتج كذلك أدباً غزيراً وجميلاً . فكتب الرافعي لـ مي مجموعة كبيرة من الرسائل تشكل وثائق أدبية وشخصية هامة حول حياة كل منهما .

ورغم أن الرافعي كان يفهم شخصية مي جيداً وقال ذات يوم في وصفها :

إن كل من حادثها ظن أنها تحبه , وما بها إلا أنها تفتنه.

وكانت مي تراسل الرافعي كما كانت تفعل مع معظم أدباء صالونها المقربين . ولكن رسالة من رسائلها كانت توحي بشيء خاص بينهما قالت فيها :

أتذكر إذ التقينا وليس بنا شابكة , فجلسنا مع الجالسين , لم نقل شيئاً في أساليب الحديث , غير أننا قلنا ما شئنا بالإسلوب الخاص باثنين فيما بين قلبيهما ! وشعرنا أول اللقاء بما لا يكون مثله إلا في التلاقي بعد فراق طويل , كأن في كلينا قلباً ينتظر قلباً من زمن بعيد .. ولم تكد العين تكتحل بالعين حتى أخذت كلتاهما أسحلتها . وقلت لي بعينيك .. أنا .. وقلت لك بعيني : وأنا .. وتكاشفنا بأن تكاتمنا وتعارفنا بأحزاننا , كأن كلينا شكوى تهم تهم أن تفيض ببثها .. وجذبتني سحنتك الفكرية النبيلة التي تصنع الحزن في نفس من يراها .. فإذا هو إعجاب , فإذا هو إكبار , فإذا هو حب .


وهذه الرسالة شكك بعض النقاد في أن مي زيادة أرسلتها فعلاً إلى الرافعي .. بل قالوا إنه هو الذي تلبس أسلوب مي وكتب الرسالة إلى نفسه !!

وعن مي كتب الرافعي ثلاثة كتب من أروع ما كتب هي : " رسائل الأحزان " .. " أوراق الورد " .. و " السحاب الأحمر " .

وكان يعيش الرافعي – الذي يكبر مي بأكثر من ثلاثين عاماً – في طنطا مع زوجته وأولاده العشرة . وكان يحضر صالون الثلاثاء الأسبوعي في بيت مي قبل الجميع , وهو في كامل أناقته , وكانت مي تستقبله بحفاوة واحترام , وتوليه عناية خاصة , ولكن رغم كل ذلك .. لم يكن هو الحبيب الذي ملك قلبها.


مي .. وإسماعيل صبري


كان شيخ الشعراء إسماعيل صبري من أكثر رواد صالون مي حرصاً على حضور كل أمسياته .. وفي إحدى هذه الأمسيات مرض , ولم يستطع الحضور .. فإذا به ينظم أبياتاً تدل على حب وتتيم بمي .. وبكم إحساسه بالندم والحزن لأنه سيخسر ليلة من لياليها التي تروي روحه وتمتع نظره وتشبع فكره ووجدانه .. فيقول الشاعر إسماعيل صبري :


روحي على بعض دور الحي حائمة *** كظامئ الطير حواماً على الماء
إن لم أمتع بمي ناظري غداً *** أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء


وهذه قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي يصف فيها أيضاً افتتانه بمي كأديبة وكامرأة:


أسائل خاطري عما سباني *** أحسن الخلق أم حسن البيان ؟
رأيت تنافس الحسنين فيها *** كأنهما لمية عاشقان
إذا نطقت صبا عقلي إليها *** وإن بسمت إليَّ صبا جناني
أم أن شبابها راث لشيبي *** وما أوهى زماني من كياني



***


أحبوها جميعاً .. كل بطريقته وأسلوبه .. أحبوا الشعاع المشرق .. الشمس التي يغمر نورها الجميع .. لكنها كانت تملك داخلها قمر معتم .. يملؤه الفراغ والغربة .. والبحث عن الحب الحقيقي .. الذي تمنت أن تجده ... !
يتبع...


تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها














 
 
قديم 16-07-2010, 01:36 AM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
QuEeN oF fOrUmE

البيانات
التسجيل: May 2010
العضوية: 231635
المشاركات: 2,049 [+]
بمعدل : 1.44 يوميا
اخر زياره : [+]
نقاط التقييم: 5221
 

الإتصالات
الحالة:
Miss Bastoka غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

رد: مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ

الفصل الخامس

مي .. التي لم ينصفها الرجال !


لم ينصف مي كاتب أو أديب من رجال عصرها ! هذه حقيقة بكل أسف فرغم التتيم والانبهار الذي سيطر عليهم جميعاً بشخصية مي وثقافتها الفريدة .. وروحها الشفافة . إلا أنهم جميعاً رأوها من الخارج .. لم ينفذ أحدهم إلى أعماقها ليقرؤها جيداً .. ويفهمها . ربما لو فعل أحدهم ذلك لأحبها أكثر ..

وهذه كانت بداية المحنة الكبيرة التي عاشتها مي في الفصل الأخير من حياتها المعذبة . محنة أن يشعر إنسان معجون بالإحساس بزيف المشاعر أو سطحيتها . إنه شعور يلسع الروح , ويوجع القلب المرهف .

ربما فهمتها أكثر أديبات جيلها والأجيال التي تلتها .. ربما كان هناك خيطاً مشتركاً من الألم الشخصي جمع بينها وبين بنات جنسها ممن احترفن الكتابة , وعشقن القلم والأدب .. ربما كان الوجع واحداً رغم اختلاف الظروف والشخصيات .. المكان والزمان . لذلك حللت الكثيرات من الاديبات والكاتبات الوجع الحقيقي الذي عاشته مي .. وتشابهت رؤية كل منهن في الكثير من الجوانب .

فقالت عنها الدكتورة عائشة عبد الرحمن .. المعروفة بـ " بنت الشاطئ ":

أنا ما عرفت مي هذه التي يعرفها الناس ويتحدثون عنها . لكني عرفت مي الإنسانة الشهيدة !

فليحدثكم سواي عن عبقريتها ونبوغها وفجيعة الأدب فيها .. أما أنا فأحدثكم عن مي الفتاة الإنسانة التي عاشت وأحبت وتعذبت وكابدت .. ثم قضت فاستراحت .


غيري يسكب الدمع لموت مي . وأنا أسكب الدمع على حياة مي , وما حياتها إلا قصة استشهاد طويل !



إن أكثرهم قد رآها في هالة من أضواء الشهرة , يتوجها إكليل من المجد وتضج حولها صيحات الهتاف , فهل منكم من غالب الأضواء فرأى في إهاب الكاتبة الشهيرة , الإنسانة التي تتألم وتتوجع وتتلوى والناس من حولها يهتفون لها !!؟

لقد ضاعت إنسانية مي وتجوهلت , وفنيت في غمار الشهرة وهي حية , فهل نضيعها وهي ميتة ؟

كلا ! إنني أكشف اليوم عن جراحها , وأفضى عنها ثوب الكاتبة , لتشهدوا الإنسانة المتألمة الشاكية الضالة المحبة المحرومة !

وبدأت " بنت الشاطئ" تحكي قصة مي :

لقد جاءت إلى هذا العالم طلعة , فيها من التطلع فوق ما في الناس تلفتت واستشرفت , وسارت وتقدمت ... ومضت كالشعلة تضرب بالأرض فتتلهب ! رأت أفواج الناس يندفعون في سباق مجنون . إلى الشهرة , والمجد , والمال .. ولمحت في عيونهم بريق الرغبة والظمأ . فاندفعت في موكبهم , ووثبت إلى الطليعة , ووقفت في آخر الشوط تلهث . فرأت الهرة التي جن بها الناس ملء يديها . ورأت المال الذي فتن الناس ملء راحتيها .. ولكنها افتقدت سعادتها في هذا كله فآبت بالخيبة والفشل ! والناس من حولها يهتفون لها !

ربحت السباق . ولكن نفسها تيقظت تسألها أين سعادتها ؟! ويالهول هذه اليقظة في إنسانة ذكية الفؤاد .. كبيرة القلب , ملتهبة الحس !

لقد عبرت مي عن مأساتها في سطور من كتابها : " ظلمات وأشعة " فقالت :
وقفت عند كوة الحياة , وإذا بالناس يمرون .. ثم أوحى إلى بأن هناك وجوداً غير ملموس يدعى السعادة , وشعرت بإحتياج محرق إلى التمتع بها , ولما انتهى دور الوقوف في الكوة , وجدتني بين الجماهير ووجهتي مرقص الحياة جاهلة من ذا يسيرني .. فتناولني حيناً دوار الاختلاط بالجمع الكبير .. ولم يفتأ ذلك الوحي المعذب يهمس في سورته , وذلك الاحتياج المتوهج يضرم فيَّ ناره , ففهمت أمراً آخر وهو أنه حيث تكون العاطفة متيقظة مرهفة , فهناك النزاع الأليم والاستشهاد .. وإذا رافقتها الأنفة وشرف السكوت على مضض الحروق والكروب , فهناك مأساة تتجدد مع الأيام .

كان الناس يظنونها سعيدة وهي في قمة المجد والشهرة بينما هي تناجي نفسها وحيدة تقول :

أي شمس تغيب فيك أيتها الفتاة , ولماذا يشجيك المساء لتغشى عينيك هذه الكآبة الربداء ؟ لقد انتعشت جميع الأشياء , أما أنت فتلوبين جائعة عطشى , وراء الملل والسآمة وهيج فيك واحتدام !

إخبريني ما بك .. لماذا أراك ترقبين ما ليس بالموجود وتشتاقين ما ليس بالبادي ؟ وإذا تحولت عنك إلى مرآتي , رأيت هناك وجهك مفجعاً حزيناً

جميع الأشياء انتعشت , وأنت .. أي علة تضنيك فتلوبين وتتأوهين ؟


***
يتبع....


تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها














 
 
إضافة رد انشر الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أسطورة, الحب, زيادة.., والنبوغ

مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع المنتدى

أسطورة حبك

عذب الكلام - خواطر

أسطورة الواقع 000زيلامسي

السياحة - السفر - مناطق سياحية

الحب مملكة ذات سيادة ونفوذ

عذب الكلام - خواطر


الساعة الآن 01:55 PM



تابع منتديات حبي على تويتر

وكن من معجبينا على الفيس بوك..


سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.1 ©2011, Crawlability, Inc. شات
في حال وجود اي انتهاك بالموقع لحقوق الملكية الفكريه والخصوصيه والطبع والنشر نامل ابلاغنا حقوق الملكية
[جميع المواضيع والردود تمثل كاتبها وليس لمنتدى حبي اي مسؤليه عن ذلك © www.7be.com]